فهرس الكتاب

الصفحة 6880 من 11044

وَقَوْلُهُ عَنْ ضَلالَتِهِمْ يَتَضَمَّنُ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً قَرِينَتُهَا حَالِيَّةٌ. شَبَّهَ الدِّينَ الْحَقَّ بِالطَّرِيقِ الْوَاضِحَةِ، وَإِسْنَادُ الضَّلَالَةِ إِلَى سَالِكِيهِ تَرْشِيحٌ لَهَا وَتَخْيِيلٌ، وَالضَّلَالَةُ أَيْضًا مُسْتَعَارَةٌ لِعَدَمِ إِدْرَاكِ الْحَقِّ تَبَعًا لِلِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ، وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى عَدَمِ الِاهْتِدَاءِ لِلطَّرِيقِ، وَضَمِيرُ ضَلالَتِهِمْ عَائِدٌ إِلَى الْعُمْيِ، وَلِتَأَتِّي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ الرَّشِيقَةِ عُدِلَ عَنْ تَعْلِيقِ مَا حَقُّهُ أَنْ يُعَلَّقَ بِالْهَدْيِ فَعُلِّقَ بِهِ مَا يَقْتَضِيهِ نَفْيُ الْهَدْيِ من معنى الصَّرْفِ وَالْمُبَاعَدَةِ. فَقِيلَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ بِتَضْمِينِ هَادِي مَعْنَى صَارِفٍ. فَصَارَ: مَا أَنْت بهاد، بِمَعْنَى: مَا أَنْتَ بِصَارِفِهِمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ كَمَا يُقَالُ: سَقَاهُ عَنِ الْعَيْمَةِ، أَيْ سَقَاهُ صَارِفًا لَهُ عَنِ الْعَيْمَةِ، وَهِيَ شَهْوَةُ اللَّبَنِ.

وَعدل فِي هَذِه الْجُمْلَةِ عَنْ صِيغَتَيِ النَّفْيَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي قَوْلِهِ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [النَّمْل: 80] الْوَاقِعَيْنِ عَلَى مُسْنَدَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ، إِلَى تَسْلِيطِ النَّفْيِ هُنَا عَلَى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ النَّفْيِ. وَأُكِّدَ ذَلِكَ الثَّبَاتُ بِالْبَاءِ الْمَزِيدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

وَوَجْهُ إِيثَارِ هَذِه الْجُمْلَة بهاذين التَّحْقِيقَيْنِ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا أَفْضَى الْكَلَامُ إِلَى نَفْيِ اهْتِدَائِهِمْ وَكَانَ اهْتِدَاؤُهُمْ غَايَةَ مَطْمَحِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْمَقَامُ مُشْعِرًا بِبَقِيَّةٍ مِنْ طَمَعِهِ فِي اهْتِدَائِهِمْ حِرْصًا عَلَيْهِمْ فَأُكِّدَ لَهُ مَا يُقْلِعُ طَمَعَهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

[الْقَصَص: 56] وَقَوْلِهِ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: 45] . وَسَيَجِيءُ فِي تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ الرُّومِ تَوْجِيهٌ لِتَعْدَادِ التَّشَابِيهِ الثَّلَاثَةِ زَائِدًا عَلَى مَا هُنَا فَانْظُرْهُ.

وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ وَمَا أَنْتَ تَهْدِي بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فِي مَوْضِعِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِدُونِ أَلْفٍ بَعْدِ الْهَاءِ.

إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.

اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِتَرَقُّبِ السَّامِعِ مَعْرِفَةَ مَنْ يَهْتَدُونَ بِالْقُرْآنِ.

وَالْإِسْمَاعُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت