فهرس الكتاب

الصفحة 5227 من 11044

وَلَمَّا كَانَ مَا ذُكِرَ فِي تَضَاعِيفِ ذَلِكَ وَمَا يَقْتَضِيهِ يَعْتَمِدُ خُلُوصَ النِّيَّةِ لِيَجْرِيَ الْعَمَلُ

عَلَى ذَلِكَ الْخُلُوصِ كَامِلًا لَا تَكَلُّفَ فِيهِ وَلَا تَكَاسُلَ، فَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِأَنَّهُ الْمُطَّلِعُ عَلَى النُّفُوسِ وَالنَّوَايَا، فَوَعَدَ الْوَلَدَ بِالْمَغْفِرَةِ لَهُ إِنْ هُوَ أَدَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِوَالِدَيْهِ وَافِيًا كَامِلًا. وَهُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ الصَّلَاحُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أَيْ مُمْتَثِلِينَ لِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ. وَغُيِّرَ أُسْلُوبُ الضَّمِيرِ فَعَادَ إِلَى ضَمِيرِ جَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَضَمِيرُ الْجَمْعِ أَنْسَبُ بِهِ.

وَلَمَّا شَمِلَ الصَّلَاحُ الصَّلَاحَ الْكَامِلَ وَالصَّلَاحَ الْمَشُوبَ بِالتَّقْصِيرِ ذَيَّلَهُ بِوَصْفِ الْأَوَّابِينَ الْمُفِيدِ بِعُمُومِهِ مَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، أَيِ الرُّجُوعِ إِلَى أَمْرِهِ وَمَا يُرْضِيهِ، فَفُهِمَ مِنَ الْكَلَامِ مَعْنَى احْتِبَاكٍ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ. وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ أَوَّابِينَ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ كَانَ لِلصَّالِحِينَ مُحْسِنًا وَلِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا. وَهَذَا يَعُمُّ الْمُخَاطَبِينَ وَغَيْرَهُمْ، وَبِهَذَا الْعُمُومِ كَانَ تَذْيِيلًا.

وَهَذَا الْأَوْبُ يَكُونُ مُطَّرِدًا، وَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلتَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ، فَيَقْتَضِي طَلَبَ الْإِقْلَاعِ عَمَّا يَخْرِمُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْحَالَةِ الْمُرْضِيَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَوب وَصَاحبه آئب، فَصِيغَ لَهُ مِثَالُ الْمُبَالَغَةِ (أَوَّابٌ) لِصُلُوحِيَّةِ الْمُبَالَغَةِ لِقُوَّةِ كَيْفِيَّةِ الْوَصْفِ وَقُوَّةِ كميته. فالملازم للامتثال فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ الْمُرَاقِبُ لِنَفْسِهِ أَوَّابٌ لِشِدَّةِ مُحَافَظَتِهِ عَلَى الْأَوْبَةِ إِلَى اللَّهِ، والمغلوب بالتفريط يؤوب كُلَّمَا رَاجَعَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ رَبَّهُ، فَهُوَ أَوَّابٌ لِكَثْرَةِ رُجُوعِهِ إِلَى أَمْرِ رَبِّهِ، وَكُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ مَا يَشْمَلُ جَمِيعَ أَحْوَالِ النُّفُوسِ وَخَاصَّةً حَالَةَ التَّفْرِيطِ وَبَوَادِرَ الْمُخَالَفَةِ. وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ.

وَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ إِيجَازِهَا تَيْسِيرًا بَعْدَ تَعْسِيرٍ مَشُوبًا بِتَضْيِيقٍ وَتَحْذِيرٍ لِيَكُونَ الْمُسْلِمُ عَلَى نَفْسِهِ رَقِيبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت