فهرس الكتاب

الصفحة 3555 من 11044

وَقَدْ جَاءَتِ الْعِلَّةُ هُنَا أَعَمَّ مِنَ الْمُعَلَّلِ: لِأَنَّ التَّذَكُّرَ أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ.

وَلَعَلَّ اللَّهُ ادَّخَرَ خُصُوصِيَّةَ الِاسْتِعَاذَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، فَكَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ

الشَّيْطَانِ، وَكَثُرَ ذَلِكَ فِي أَقْوَال النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُعِلَ لِلَّذِينَ قَبْلَهُمْ الْأَمْرُ بِالتَّذَكُّرِ، كَمَا ادَّخَرَ لَنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ.

وَ (التَّقْوَى) تَقَدَّمَ بَيَانُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [2] ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ: الرُّسُلُ وَصَالِحُو أُمَمِهِمْ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهُمْ قُدْوَةً وَأُسْوَةً حَسَنَةً.

وَ (الْمَسُّ) حَقِيقَتُهُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْجِسْمِ، وَاسْتُعِيرَ لِلْإِصَابَةِ أَوْ لِأَدْنَى الْإِصَابَةِ.

وَالطَّائِفُ هُوَ الَّذِي يَمْشِي حَوْلَ الْمَكَانِ يَنْتَظِرُ الْإِذْنَ لَهُ، فَهُوَ النَّازِلُ بِالْمَكَانِ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَكَانَ، أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْخَاطِرِ الَّذِي يَخْطُرُ فِي النَّفْسِ يَبْعَثُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ نَهَى اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ شَبَّهَ ذَلِكَ الْخَاطِرَ فِي مبدأ جولانه فِي النَّفْسِ بِحُلُولِ الطَّائِفِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ.

وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الْقَادِمَ إِلَى أَهْلِ الْبَيْتِ، الْعَائِذَ بِرَبِّ الْبَيْتِ، الْمُسْتَأْنِسَ لِلْقِرَى يَسْتَأْنِسُ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَأْذِنُ، كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ النَّابِغَةِ مَعَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ حِينَ أَنْشَدَ أَبْيَاتَهُ الَّتِي أَوَّلُهَا:

أَصَمُّ أَمْ يَسْمَعُ رَبُّ الْقُبَّةْ وَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ طَوَافُ الْقَادِمِينَ إِلَى مَكَّةَ بِالْكَعْبَةِ تَشَبُّهًا بالوافدين على الْمَمْلُوك، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الطَّوَافُ عَلَى جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ وَخُتِمَتْ بِالطَّوَافِ أَيْضًا، فَلَعَلَّ كَلِمَةَ طَائِفٍ تُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْمُلِمِّ الْخَفِيِّ قَالَ الْأَعْشَى:

وَتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وَكَأَنَّهَا ... أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَقُ

وَقَالَ تَعَالَى: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ [الْقَلَم: 19] .

وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: طائِفٌ، بِأَلْفٍ بَعْدِ الطَّاءِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الْأَلْفِ، وَقِرَاءَةُ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ وَيَعْقُوبَ: (طَيْفٌ) بِدُونِ أَلْفٍ بَعْدِ الطَّاءِ وَبِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الطَّاءِ، وَالطَّيْفُ خَيَالٌ يَرَاكَ فِي النَّوْمِ وَهُوَ شَائِعُ الذِّكْرِ فِي الشِّعْرِ.

وَفِي كَلِمَةِ (إِذَا) مِنْ قَوْلِهِ: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا مَعَ التَّعْبِيرِ بِفِعْلِ مَسَّهُمْ الدَّالِّ عَلَى إِصَابَةٍ غَيْرِ مَكِينَةٍ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفَزَعَ إِلَى اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت