فهرس الكتاب

الصفحة 3167 من 11044

وَ (فَرِيقًا) الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ: إِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي تَعُودُونَ، أَيْ تَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ فَرِيقَيْنِ، فَاكْتُفِيَ عَنْ إِجْمَالِ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ تَفْصِيلِهِمَا بِالتَّفْصِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْإِجْمَالِ تَعْجِيلًا بِذِكْرِ التَّفْصِيلِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، وَمَعْنَى فَرِيقًا هَدى: أَنَّ فَرِيقًا هَدَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ، أَيْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي قَوْلِهِ: مُخْلِصِينَ أَيِ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ حَالَ كَوْنِكُمْ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا هَدَاهُ

اللَّهُ لِلْإِخْلَاصِ وَنَبْذِ الشِّرْكِ، وَفَرِيقًا دَامَ عَلَى الضَّلَالِ وَلَازَمَ الشِّرْكَ.

وَجُمْلَةُ: هَدى فِي مَوضِع الصّفة لفريقا الْأَوَّلِ، وَقَدْ حُذِفَ الرَّابِطُ الْمَنْصُوب: أَي هدَاكُمْ اللَّهُ، وَجُمْلَةُ: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ صِفَةُ فَرِيقًا الثَّانِي.

وَهَذَا كُلُّهُ إِنْذَارٌ مِنَ الْوُقُوع فِي الضّلالة، وَتَحْذِيرٌ مِنَ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ، وَتَحْرِيضٌ عَلَى تَوَخِّي الِاهْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ إِسْنَادُهُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ:

هَدى فَيَعْلَمُ السَّامِعُونَ أَنَّهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِ فَرِيقَيْنِ كَانَ الْفَرِيقُ الْمُفْلِحُ هُوَ الْفَرِيقُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[المجادلة:

22]وَأَنَّ الْفَرِيقَ الْخَاسِرَ هُمُ الَّذين حقّت عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ وَاتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا قَالَ: أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: 19] .

وَتَقْدِيمُ فَرِيقًا الْأَوَّلِ والثّاني على عامليها لِلِاهْتِمَامِ بِالتَّفْصِيلِ.

وَمَعْنَى: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ثَبَتَتْ لَهُمُ الضَّلَالَةُ وَلَزِمُوهَا. وَلَمْ يُقْلِعُوا عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ كُلَّهُمْ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِأَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ افْتَرَقُوا فَرِيقَيْنِ:

فَرِيقًا هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَفَرِيقًا لَازَمَ الشِّرْكَ وَالضَّلَالَةَ، فَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِمْ حَالٌ جَدِيدٌ.

وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ لَفْظِ: حَقَّ هُنَا دُونَ أَنْ يُقَالَ أَضَلَّهُ اللَّهُ، لِأَنَّ ضَلَالَهُمْ قَدِيمٌ مُسْتَمِرٌّ اكْتَسَبُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَظِيرِهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النَّحْل: 36] - ثُمَّ قَالَ- إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النَّحْل: 37] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت