فهرس الكتاب

الصفحة 2968 من 11044

وَمَعْنَى تَزْيِينِ ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُمْ خَيَّلُوا لَهُمْ فَوَائِدَ وَقُرَبًا فِي هَذَا الْقَتْلِ، بِأَنْ يُلْقُوا إِلَيْهِمْ مَضَرَّةَ الِاسْتِجْدَاءِ وَالْعَارِ فِي النِّسَاءِ، وَأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُرْجَى مِنْهُنَّ نَفْعٌ لِلْقَبِيلَةِ، وَأَنَّهُنَّ يُجَبِّنَّ الْآبَاءَ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَيُؤْثِرْنَ أَزْوَاجَهُنَّ على آبائهن، فقتلهنّ أصلح وأنفع من استبقائهن، وَنَحْو هَذَا من الشّبه والتّمويهات، فَيَأْتُونَهُمْ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَرُوجُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا مُفْرِطِينَ فِي الْغَيْرَةِ، وَالْجُمُوحِ مِنَ الْغَلَبِ وَالْعَارِ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

حِذَارًا عَلَى أَنْ لَا تُنَالَ مَقَادَتِي ... وَلَا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرَا

وَإِنَّمَا قَالَ: لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ قَتْلَ الْأَوْلَادِ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ جَمِيعُ الْقَبَائِلِ،

وَكَانَ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَهُمَا جَمْهَرَةُ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ كُلُّ الْآبَاءِ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ يَفْعَلُهُ.

وَأَسْنَدَ التَّزْيِينَ إِلَى الشُّرَكَاءِ: إِمَّا لِإِرَادَةِ الشَّيَاطِينِ الشُّرَكَاءِ، فَالتَّزْيِينُ تَزْيِينُ الشَّيَاطِينِ بِالْوَسْوَسَةِ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً، وَإِمَّا لِأَنَّ التَّزْيِينَ نَشَأَ لَهُمْ عَنْ إِشَاعَةِ كُبَرَائِهِمْ فِيهِمْ، أَوْ بِشَرْعٍ وَضَعَهُ لَهُمْ مَنْ وَضَعَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَفَرَضَ لَهَا حُقُوقًا فِي أَمْوَالِهِمْ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَيَكُونُ إِسْنَادُ التَّزْيِينِ إِلَى الشُّرَكَاءِ مَجَازًا عَقْلِيًّا لِأَنَّ الْأَصْنَامَ سَبَبُ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَتَيْنِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: 101] .

وَالْمَعْنِيُّ بِقَتْلِ الْأَوْلَادِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَحْوِهَا هُوَ الْوَأْدُ، وَهُوَ دَفْنُ الْبَنَاتِ الصَّغِيرَاتِ أَحْيَاءً فَيَمُتْنَ بِغُمَّةِ التُّرَابِ، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْفَقْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الْإِسْرَاء: 31] ، وخشية أَنْ تُفْتَضَحَ الْأُنْثَى بِالْحَاجَةِ إِذَا هَلَكَ أَبُوهَا، أَوْ مَخَافَةَ السِّبَاءِ، وَذَكَرَ فِي «الرَّوْضِ الْأُنُفِ» عَنِ النَّقَّاشِ فِي «تَفْسِيرِهِ» : أَنَّهُمْ كَانُوا يَئِدُونَ مِنَ الْبَنَاتِ مَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت