فهرس الكتاب

الصفحة 2456 من 11044

عَلَى الْجَرَائِمِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْمَيْسِرِ مِنَ التَّحَاسُدِ عَلَى الْقَامِرِ، وَالْغَيْظِ وَالْحَسْرَةِ لِلْخَاسِرِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِك من التشاتم وَالسِّبَابِ وَالضَّرْبِ. عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ حُدُوثِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةً إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ أُمَّةٍ بَيْنَ أَفْرَادِهَا الْبَغْضَاءُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» .

وَ (فِي) مِنْ قَوْلِهِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ للسبيبة أَوِ الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، أَيْ فِي مَجَالِسِ تَعَاطِيهِمَا.

وَأَمَّا الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَلِمَا فِي الْخَمْرِ مِنْ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ، وَمَا فِي الْمَيْسِرِ مِنَ اسْتِفْرَاغِ الْوَقْتِ فِي الْمُعَاوَدَةِ لِتَطَلُّبِ الرِّبْحِ.

وَهَذِهِ أَرْبَعُ عِلَلٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ اجْتِمَاعُهَا مُقْتَضِيًا تَغْلِيظَ التَّحْرِيمِ. وَيُلْحَقُ بِالْخَمْرِ كُلُّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى صِفَتِهَا مِنْ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ. وَيُلْحَقُ بِالْمَيْسِرِ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْقِمَارِ كُلِّهَا أَمَّا مَا كَانَ مِنَ اللَّهْوِ بِدُونِ قِمَارٍ كَالشَّطْرَنْجِ دُونَ قِمَارٍ، فَذَلِكَ دُونَ الْمَيْسِرِ، لِأَنَّهُ يَنْدُرُ أَنْ يَصُدَّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ،

وَلِأَنَّهُ لَا يُوقِعُ فِي الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ غَالِبًا، فَتَدْخُلُ أَحْكَامُهُ تَحْتَ أَدِلَّةٍ أُخْرَى.

وَالذِّكْرُ الْمَقْصُودُ فِي قَوْلِهِ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ من الذّكر اللِّسَان فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنَ وَكَلَامَ الرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الَّذِي فِيهِ نَفْعُهُمْ وَإِرْشَادُهُمْ، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ أَحْكَامِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا انْغَمَسُوا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَفِي التَّقَامُرِ غَابُوا عَنْ مَجَالِسِ الرَّسُولِ وَسَمَاعِ خُطَبِهِ، وَعَنْ مُلَاقَاةِ أَصْحَابِهِ الْمُلَازِمِينَ لَهُ فَلَمْ يَسْمَعُوا الذِّكْرَ وَلَا يَتَلَقَّوْهُ مِنْ أَفْوَاهِ سَامِعِيهِ فَيَجْهَلُوا شَيْئًا كَثِيرًا فِيهِ مَا يَجِبُ عَلَى المكلّف مَعْرفَته. فالسيء الَّذِي يَصُدُّ عَنْ هَذَا هُوَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَرَّمَ تَعَاطِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ وَهُوَ تَذَكُّرُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَإِنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. فَالشَّيْءُ الَّذِي يَصُدُّ عَنْ تَذَكُّرِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ هُوَ ذَرِيعَةٌ لِلْوُقُوعِ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَفِي اقْتِحَامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت