فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 11044

لِلصَّحَابَةِ وَلَكِنَّ الْمِنَّةَ بِهِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ كُلَّ جِيلٍ يُقَدِّرُ أَنْ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ إِسْلَامُ الْجِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ لَكَانُوا هُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ.

وَالظَّرْفِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً مُعْتَبَرٌ فِيهَا التَّعْقِيبُ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ إِذِ النِّعْمَةُ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الْعَدَاوَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَ حُصُولِ التَّأْلِيفِ عَقِبَ تِلْكَ الْعَدَاوَةِ.

وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَفْرَادٌ قَلِيلُونَ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ الْقَرِيبَةِ، وَكَانَ جَمِيعُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فِي عَدَاوَةٍ وَحُرُوبٍ، فَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ دَامَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَمِنْهَا كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ، وَالْعَرَبُ كَانُوا فِي حُرُوبٍ وَغَارَاتٍ [1] بَلْ وَسَائِرُ الْأُمَمِ الَّتِي دَعَاهَا الْإِسْلَامُ كَانُوا فِي تَفَرُّقٍ وَتَخَاذُلٍ فَصَارَ

الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِخْوَانًا وَأَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، لَا يَصُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَنْسَابٍ، وَلَا تَبَاعُدُ مَوَاطِنَ، وَلَقَدْ حَاوَلَتْ حُكَمَاؤُهُمْ وَأُولُو الرَّأْيِ مِنْهُمُ التَّأْلِيفَ بَيْنَهُمْ، وَإِصْلَاحَ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، بِأَفَانِينِ الدَّعَايَةِ مِنْ خَطَابَةٍ وَجَاهٍ وَشِعْرٍ [2] فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى مَا ابْتَغَوْا حَتَّى أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالْإِسْلَامِ فَصَارُوا بِذَلِكَ التَّأْلِيفِ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْوَانِ.

(1) كَانَت قبائل الْعَرَب أَعدَاء بَعضهم لبَعض فَمَا وجدت قَبيلَة غرّة من الْأُخْرَى إِلَّا شنّت عَلَيْهَا الْغَارة.

وَمَا وجدت الْأُخْرَى فرْصَة إِلَّا نادت بالثارة. وَكَذَلِكَ تَجِد بطُون الْقَبِيلَة الْوَاحِدَة وَكَذَلِكَ تَجِد بني الْعم من بطن وَاحِد أَعدَاء متغالبين على الْمَوَارِيث والسؤدد، قَالَ أَرْطَأَة بن سهية الذبياني من شعراء الأموية:

وَنحن بَنو عَم على ذَات بَيْننَا ... زرابي فِيهَا بغضة وتنافس

(2) مثل خطاب شُيُوخ بني أَسد لامرى الْقَيْس حِين عزم على قِتَالهمْ أخذا بثأره.

وَمثل توَسط هرم بن سِنَان والْحَارث بن عَوْف.

وَقَالَ زُهَيْر:

وَمَا الْحَرْب إِلَّا مَا علمْتُم وذقتم ... الأبيات.

وَقَالَ النَّابِغَة:

أَلا يَا لَيْتَني والمرء ميت ... الأبيات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت