وقال الفضيل في هذه الآية:"وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"قال: عملوا أعمالًا وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات [1] .
وقريب من هذا أن يعمل الإنسان ذنبًا يحتقره، ويستهوِن به فيكون هو سبب هلاكه، كما قال تعالى:"وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ" (النور، آية: 15) .
وقال بعض الصحابة، إنكم تعملون أعمالًا هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبوقات [2] .
وأصعب من هذا من زين له سوء عمله فرآه حسنًا قال تعالى:"ُقلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف، آية: 104 ـ 105) .
قال سفيان بن عيينة لما حضرت محمد بن المنكدر الوفاة جزع فَدَعوا له أبا حازم فجاء فقال له ابن المنكدر: إن الله يقول:"وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"، وأخاف أن يبدوا لي من الله ما لم أكن احتسب، فجعلا يبكيان جميعًا، فقال له أهله: دعوناك لتخفِّف عليه فزدته فأخبرهم بما قال [3] ، وقال الفضيل بن عياض أُخبرت عن سليمان التيمي أنه قيل له: أنت أنت ومن مثلك؟ فقال: مه، لا تقولوا هذا، لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول:"وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" [4] . وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية، ويلٌ لأهل الرياء من هذه الآية، وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، العالم، والمتصدِّق، والمجاهد [5] .
(1) المحجة في سير الدُّلجة لابن رجب الحنبلي صـ90.
(2) البخاري، ك الرقائق (7/ 187) .
(3) صفوة الصفوة (2/ 167) ابن الجوزي.
(4) المحجة في سيرة الدلجة لابن رجب صـ92.
(5) المصدر نفسه صـ93.