ب ـ وأما الخفي من الشرك الأصغر: فهو شرك الإرادات، والمقاصد والنيات، وذلك مثل الرياء، والسمعة، ومثال ذلك أن يعمل المسلم عملًا الأصل فيه أنه لله تعالى، ثم بعد ذلك يدخل فيه شئ من الرياء أو السمعة، فيريد من الناس الثناء عليه، كأن يقرأ مسلم القرآن لله تعالى وتقربًا له، وعندما يرى الناس تنصت له يُلحن في صوته ابتغاء الثناء عليه، أو يتصدق إنسان بمال لكي يُمدَحَ ويثنى عليه، أو يحسن الرجل صلاته التي يتقرب بها إلى الله لما يرى من نظر الناس إليه، وغير ذلك من الأعمال والعبادات التي تصرف لله تعالى، وإلا لو صرفـ ابتداءً لغير الله لأصبح ذلك شركًا أكبر يخرج من الملة، ولكن بعد البدء فيها يدخل عليه حب المدح والثناء على فعله وعبادته وعاقبة الرياء الذي يخالط العمل هو إبطال أجر وثواب هذا العمل، قال تعالى:"فَمَن ; كَانَ َيرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف، آية: 110) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال الرياء [1] ."
إن الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى به شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته وهذه هي الحنيفية، ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام وهي ملة إبراهيم عليه السلام [2] .
والعبد المؤمن يخشى على نفسه من الرياء وأن تصير أعماله هباءً منثورًا، فقد قال الله تعالى عن أقوام:"وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا" (الفرقان، آية: 23) .
(1) مسند الإمام أحمد (5/ 428) .
(2) العقيدة الصافية صـ406.