أما ابن حزم فقد حصر معنى الحديث بحال اتفاقهم كلهم بلا خلاف لا أن نقلِّد واحدًا منهم وقال: لأنَّ الخلفاء قد خالفهم مَن كان في عصرهم فما منهم أحد قال لمن خالفه: لم خالفتني وأنا إمام؟! [1] . اهـ أي يقصد أنهم ما كانوا ينكرون على من خالف واحدًا منهم.
وقوله هذا لا يصح من وجوه منها:
أولًا: لأنه لا يمكن اجتماعهم معًا إلا في زمن أبي بكر، أما بعد وفاته فيكون ما اجتمعوا عليه رأيَّ بعض الخلفاء الراشدين لا رأيهم جميعًا، واجتماعهم في زمن أبي بكر لا يقال له اجتماع الخلفاء، لأنهم لم يكونوا كلهم خلفاء عندها، فتعيَّن أن المراد بسنة الخلفاء سنةُ كل واحدٍ منهم على انفراد، وبما أنهم اختلفوا في الاجتهاد فيما بينهم حتى حصل هذا أحيانًا في المسألة الواحدة، كاختلافهم في بيع أمهات الأولاد، واختلافهم في حد شرب الخمر، فيبقى أن المراد من الحديث إما جواز اتِّباع كلِ واحد منهم على حدة، لأنَّ اتباعهم جميعًا فيما اختلفوا فيه متعذر لا يقدر عليه أحد، أو المراد اتباعهم جميعًا في الشيء المشترك فيما بينهم وهو هنا: الاجتهاد، فكلٌ منهم قد اجتهد بما يناسب عصره.
وثانيًا: ليس كلام ابن حزم على إطلاقه، فقد خالف عليٌ - رضي الله عنه - عثمانَ - رضي الله عنه - في التمتع في الحج عندما نهى عن ذلك، فأنكر عليه عثمان - رضي الله عنه - وسأله: لِمَ تخالفني؟ [2] .
ويؤكد ابنُ تيمية مخالفةَ بعض الصحابة لبعض الخلفاء الراشدين فيقول: ... «الصحابة في زمن أبي بكر - رضي الله عنه - لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر - رضي الله عنه - وارتفع النزاع، كتنازعهم في وفاته - صلى الله عليه وسلم - ومدفنه، وفي ميراثه، وفي تجهيز جيش أسامة، وقتال مانعي الزكاة، وغير ذلك من المسائل الكبار، وأما بعده فلم يبلغ علمُ أحد وكمالُه علمَ أبي بكر وكمالَه. فصاروا يتنازعون في بعض المسائل، كما تنازعوا في الجد والإخوة، وفي الحرام، وفي الطلاق الثلاث وفي غير ذلك،
(1) الإحكام لابن حزم: 6/ 241 - 243. الفصل في الملل والنحل لابن حزم: 4/ 130.
(2) كما ذكر النسائي في السنن الكبرى: 2/ 345 رقم (3702) و (3703) عن عثمان بن عفان. والدارمي في سننه: 2/ 96 رقم (1923) كلاهما في كتاب مناسك الحج باب القران.