بعد ذلك بنحو مائة عام.
على أن الخلافة الفاطمية لم تكن ظروفها - في ظل تقلص ممتلكاتها وتعرضها لأزمات اقتصادية متوالية - تسمح بإمداد البساسيري بقوة تسنده وتدعم موقفه، ولذلك لم يجد طغرلبك السلجوقي صعوبة تذكر في القضاء على فتنة البساسيري وإعادة الدعوة للعباسيين في بغداد مرة أخرى بعد انقطاع دام اثني عشر شهرًا [1] ، بل مد السلاجقة نفوذهم إلى الشام واستولوا على بعض ممتلكات الفاطميين بها، ولم يبق للفاطميين نفوذ إلا على مصر وجنوب فلسطين والحجاز واليمن، لتدخل الخلافة الفاطمية بعد ذلك مسلسل الضعف والانحطاط والتراجع، إلى أن سقطت سنة 567 هـ.
ظلت الخلافة الفاطمية في مصر عزيزة الجانب مهيبة السلطان إلى الشطر الأول من خلافة المستنصر بالله (427 - 487هـ) ، ففي عهده امتد سلطان الفاطميين إلى بلاد الشام وفلسطين والحجاز وصقلية وشمال إفريقية، وكان اسمه يذاع على كافة منابر البلاد الممتدة من المحيط الأطلسي غربًا حتى البحر الأحمر شرقًا، بل في بغداد نفسها نحوًا من سنة.
على أن عهد المستنصر نفسه حمل بذور الضعف والانهيار، وانطوى على عوامل الانحلال والتفكك، ففي عهده ضربت مصر مجاعة طاحنة أعقبها أوبئة مهلكة، فيما اصطلح المؤرخون على تسميته بالشدة العظمى أو الشدة المستنصرية، التي استمرت نحو ثمانية أعوام (446 - 454هـ) عصفت خلالها باقتصاد البلاد، وحصدت أرواح آلاف المصريين [2] .
وقد نتج عن تدهور الاقتصاد المصري اضطراب الأوضاع الداخلية في البلاد، حتى إن منصب الوزارة قد تداوله أربعون وزيرًا في تسع سنوات بعد قتل
(1) راجع في فتنة البساسيري والقضاء عليها: الكامل لابن الأثير: 9/ 608 وما بعدها. اتعاظ الحنفا للمقريزي: 2/ 250 - 258. النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: 5/ 5 - 7. الدولة الفاطمية للدكتور أيمن سيد: 194 - 195. تاريخ مصر للدكتور الشيال: 1/ 156. مصر في عصر الدولة الفاطمية للدكتور سرور: ص 144 - 149.
(2) إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي: ص 23 - 24. وراجع كذلك: اتعاظ الحنفا 2/ 224 وما بعدها. تاريخ مصر الإسلامية للدكتور جمال الدين الشيال: 1/ 157.