بقي أن أذكر أنَّ بعض الآراء قد شذَّت عن الجمهور وقالت بجواز التعدد مطلقًا وهم قلَّة قليلة أذكرها لاستكمال البحث:
-فقد أجاز الجارودية من الزيدية في بعض الروايات تعدد الأئمة في البلد الواحد وفي نفس الوقت، وهو خلاف الإجماع المنعقد من السلف قبل ظهورهم [1] .
واحتج هؤلاء بقول الأنصار يوم السقيفة: «منَّا أمير ومنكم أمير» [2] واحتجوا بأمر علي والحسن مع معاوية - رضي الله عنهم -.
وردَّ ابن حزم على هذا القول بأنَّ قول الأنصار كان خطأً لا صوابًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» [3] .
وأمَّا أمر عليٍّ والحسن ومعاوية - رضي الله عنهم - فقد صحَّ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من أمة، يقتلها أَولى الطائفتين بالحق [4] ، فكان عليٌّ - رضي الله عنه - قاتلَ تلك الطائفة (أي الخوارج) .
وأما علي - رضي الله عنه - ومعاوية - رضي الله عنه - فما سلَّم أحدهما للآخر، وكذلك كان الحسن - رضي الله عنه - مع معاوية - رضي الله عنه - إلى أن أسلمَ الأمرَ إليه [5] .
وقد بيَّن القمي حقيقةَ قول الجارودية بجواز التعدد في البلد الواحد بأنهم قصدوا بقولهم هذا دعاةَ الإمام المنتشرين في بقاع الأرض، فهم على هذا لا يقولون بالتعدد [6] .
(1) نصرة مذاهب الزيدية لابن عباد: ص 111، 153. الفرق بين الفرق للبغدادي: ص 211. المواقف للإيجي: 3/ 591. شرح المواقف للجرجاني: 8/ 353. الرد للمقدسي: ص 72، وعزا لكل الزيدية وليس للجارودية فقط. وانظر في الرد على دعوى الجارودية: الإمامة من كتاب المغني للقاضي عبد الجبار: ص 244 وما بعدها.
(2) سيأتي تخريجه في الحاشية (2) ص (212) من هذه الأطروحة.
(3) سبق تخريجه في الحاشية (4) ص (202) من هذه الأطروحة.
(4) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: 3/ 113 كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم (2507) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» .
(5) الفصل في الملل والنحل لابن حزم: 4/ 73، 74.
(6) المقالات والفرق للقمي: ص 19.