القبلة إذا كانت مغيبة عنه، فكان على غير إحاطة من أن يصيبها بالتوجُّه، أن يكون يصلي حيث شاء من غير اجتهاد، بطلب الدلائل فيها وفي الصيد معًا، ويدل على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقول في شيء من العلم إلا بالاجتهاد.
والاجتهاد فيه كالاجتهاد في طلب البيت في القبلة، والمثل في الصيد.
ولا يكون الاجتهاد - في الفقه - إلا لمن عرف الدلائل عليه، من خبر
لازم (كتاب، أو سنة، أو إجماع) ثم يطلب ذلك بالقياس عليه، بالاستدلال
ببعض ما وصفت، كما يطلب ما غاب عنه من البيت، واشتبه عليه من مثل
الصيد، فأما من لا آلة فيه، فلا يحل له أن يقول في العلم شيئًا.
الأم (أيضًا) : الخلاف في هذا الباب: (حج المرأة والعبد)
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فإن الله تعالى يقول: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًاا) الآية.
فيقول: إن الله - عزَّ وجلَّ لما ذكر الهدي في هذا الموضع، وجعل بدله غيره، وجعل في الكفارات أبدالًا، ثم ذكر في المحصر الدم، ولم يذكر غيره، كان شرط اللَّه جل ثناؤه الإبدال في غيره، مما يلزم، ولا يجوز للعالم أن يجعل ما أنزل مما يلزم في النسك مفسرًا دليلًا على ما أنزل مجملًا، فيحكم في الجمل حكم المفسر، كما قلنا في ذكر رقبة مؤمنة في قتل، مثلها رقبة في الظهار، وإن لم يذكر مؤمنة فيه، وكما قلنا في الشهود حين ذكروا عدولًا، وذكروا في موضع أخر، فلم يشترط فيهم العدول.
هم عدول في كل موضع على ما شرط اللَّه تعالى في غيره حيث شرطه.
فاستدللنا - واللَّه أعلم - على أن حكم الجمل حكم المفسر، إذا كانا في معنى واحد، والبدل ليس زيادة، وقد يأتي موضع من حكم اللَّه لا نقول هذا فيه، هذا