الإسلام يرفض أن توجد طبقة ما تحتكر الثروة، وتستولى بغناها الفاحش على التوجيه الاقتصادي. وهو يدرك النتائج الوخيمة لتكون مثل هذه الطبقة فيحول دون تكوينها. وبمنح الحاكم الحرية في اتخاذ الوسائل التى تعينه على إقامة التوازن بين الأمة المختلفة. وبيان ذلك أن الرسول- صلوات الله عليه وسلامه-لما هاجر إلى المدينة كان الأنصار مطمئنين في وطنهم يقيمون في ديارهم، ويستثمرون أرضهم، ويعيشون فيها عيشة رخية. على عكس المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم؟ إذا صادرها مشركو مكة واغتصبوها منهم. فلما استقر بهم المقام في المدينة قام المجتمع الإسلامى على نوع من الأخوة الفاضلة كان الأنصار فيه أصحاب البذل الجميل والسماحة المشكورة حتى انطلقت ألسنة المهاجرين بالثناء وهم يذكرون ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - ويقولون له:"لقد ذهب الأنصار بالأجر كله! ما رأينا قوما أحسن بدلا لكثير ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة!!". ولقد شكر الله ورسوله هذا الصنيع الكريم لأصحابه، إلا أن إبقاء هؤلاء المهاجرين من غير أملاك مستقلة يأوون إليها وينفردون فيها يجب ألا يطول كثيرا. ومع أن المسلمين انتصروا في موقعة بدر، إلا أن الغنائم لم يكن بد من توزيعها على كل من اشترك في القتال وقام بدوره كاملا- وفى هؤلاء كثرة كبيرة من الأنصار- ومن ثم ظلت الحالة الاقتصادية على ما هى عليه. حتى حدثت موقعة بنى النضير، فرأى الرسول الفرصة سانحة لإعادة التوازن الاقتصادى- إذا اعتبر هذا الفيئ ملكا خاصا له- فجعل الغنائم من أرض ومال وقفا على المهاجرين، إذ لا معنى لأن يزداد الأنصار غنى على غناهم بينما أكثر المهاجرين في قلة ظاهرة من المال. قال الزهرى:"كانت غنائم بنى النضير للنبى خالصة إذ لم يفتحوها عنوة بل فتحوها على صلح، فقسمها النبى - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منها شيئا، إلا رجلين كانت بهما حاجة". ص_095