الرجل يكون عامر الخزائن، واسع الجاه، فيعتنق مبدأ كريما يبذل من أجله النفس والنفيس، ويبيع راحة البال والوداعة مع الآل في سبيل فكرته التى آمن بها، ويلحقه من جراء ذلك بؤس أصحاب الدعوات المكافحة. (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) هذا فقر جره النضال، وعرفته الأمم كافة في عظماء الرجال من بنيها. عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله أنه قال:"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله عز وجل؟"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال صلى الله عليه وسلم:"الفقراء المهاجرون، الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. فيقول الله لمن شاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتى هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا. وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار". أجل لقد صبروا على الفقر، ولكن أى فقر؟ إنه ليس فقر الصعاليك من المتبطلين وذوى الهمم الساقطة. لقد زهدوا في الدنيا ليس عن عجز فيها، بل عن تطلع لما فوقها. فلما جاءتهم الدنيا توسلوا بها لما يريدون ففرغت أيديهم منها. هناك فقر يلحق الرجال عندما يقفون في صفوف المعارضة للسلطات القائمة، ولقد قرأنا لأساطين العلماء كيف احتقروا الملوك وابتذلوا مهابتهم، ودفعوا ثمن ذلك من معايشهم الضيقة، ومن المناصب والرياسات التى رفضوها. ص_062