فإذا لم يحتج الأمر إلى ذلك سكت، أو أرسل القول على نحو لا إثارة فيه. إنه يوصى الولد بين أبويه ويؤكد هذه الوصية مرارا. وقلما يلتفت إلى الآباء يوصيهم بأولادهم، فإن حنان الآباء المنبعث عن أعمق الغرائز والذى يتفجر عواطف غامرة تجعل المرء يتفانى لإسعاد ذراريه، ذلك كله ليس بحاجة إلى إرشاد السماء ليؤدى رسالته. أما مسلك الأولاد فالأمر فيه على العكس، ومن ثم تكاثرت الآيات والأحاديث لتوجهه إلى الحق! وقد كان المفروض أن الناس يعملون للدنيا بوحى غرائزهم المجردة، بل إن عملهم للدنيا يستولى على البابهم ويستغرق أوقاتهم ويشتط بهم إلى سبل معوجة. فالمنتظر من الدين - والحالة هذه - أن ينذر بالآخرة وأن يسوق من صور الوعد والوعيد ما يغزو القلوب بالرغبة والرهبة. وليس يفهم أبدا من الكلام عن الآخرة شل الأيدى التى تعمل للدنيا. بيد أن المسلمين في عصور انهيارهم العقلى والخلقى، وهموا أن الاشتغال بالدنيا أمر منكر، فاضطربت في أيديهم مصالح الحياة، وأدى بهم ذلك إلى شر لابد منه فضاعت في أيديهم مطالب الدين نفسه. وظلت مضاعفات هذا الغباء تترادف حتى سقطت دولة الإسلام، وأصبحت أرضه كلأ مباحا للاستعمار الغربى واللصوصية الدولية. وازدحمت أسواق التجارة، ومعاقل الصناعة، بسماسرة اليهود ودهاة الأجانب .. وخلت هذه الدوائر المتحكمة في مصاير الشعوب من كل أثر للنشاط الإسلامى النظيف. والغريب أن العمل للدنيا - وإن كان نزوعا مفروغا لكل حى - إلا أن الإسلام تكلم فيه بأسلوب صريح، في تحديده للأطراف التى تنشأ عنها الفضائل والرذائل، وتشخيصه للأهواء التى تصرف عن الحق وتدفع إلى الباطل. وباستقراء الآيات والأحاديث الواردة يوقن أدنى مطلع أن الدنيا ما ذمت بتة إلا حيث يكون معناها الغرور أو العصيان أو الشهوة الجامحة. ص_060