يميل البعض ليفهم من الدين أنه عدو الدنيا، يرهب أصحابه فيها، ويقنعهم بالقليل منها ويصبرهم على لأوائها، ويرضيهم ببأسائها وضرائها، وبعدهم - في الدار الآخرة بما حُرموا منه في هذه الدار. وبذلك يخلق مجتمعا يحيا على التافه، ويكسل عن استنباط ما في الأرض من خيرات، ويتخلف حتفا عن المجتمعات التى تعد الحياة وتكرس قواها كلها لخدمتها وتجديدها.! ولعل الشيوعية - وهى تحارب الدين - تضع هذه الشبهة نصب عينها. وما لنا نخص الشيوعية بهذا الاتهام؟ إن الحضارة الأوروبية التى تسود الغرب لا تسود بالدين عن هذا الفهم. وهى والشيوعية صنوان في الكفر والإلحاد! ونحن إذ نفند هذه الشبهة - لا نزعم أن الدين يوصى الناس بالتكالب على الدنيا، والتفانى في خدمتها، وإشباع نهمة النفس منها، كما تفعل ذلك المذاهب المادية. ولا نزعم أن الزهد في شهواتها والتخفف من لذائذها ووضعها - بالنسبة إلى الآخرة في الكفة المرجوحة، لا نزعم ذلك خطأ في الفكر أو نقيصة في الخلق. بل إننا نعترف أن اتجاهات الدين في هذه الأنحاء واضحة، وصادقة. وما دامت الآخرة حقا، فإن إسقاطها من حساب الإنسان ضلال. وما دامت للحياة الدنيا مثل رفيعة ينبغى إيثارها وإن أدى الاستمساك بها إلى قليل أو كثير من التضحيات، فإن إغفال الفضائل الروحية لا يسوغ إلا في مجتمع من الحيوانات!!. ويجب أن نلفت النظر إلى حقيقة مشتركة بين طبيعة الدين في تعاليمه وطبيعة الإنسان في أعماله. إن الدين يذكر حيث يظن النسيان، ويكرر حيث يظن الإهمال، ويوقظ حيث تظن الغفلة. ص_059