سواقى القطر من ارتفع حتى صار وزيرا كبيرا من دهاة السياسة لأعرق الأمم في السياسة. ولو أن هذه الوقائع حدثت في بلادنا لكانت مثار الدهشة، ولاتخذت منها الصحف الهازلة فكاهة العمر لصعاليك القراء!!. أذلك خير أم أن يصير الرجل ذا شأن هائل، لأنه انحدر من أسرة ذات شأن متوارث؟ إن رجالا من عامة الناس يسمو بكفايته أرضى لله من أى إنسان يملك ذرة من الجاه لأصالته - كما يقولون. وقانون الإسلام يبتر كل شبهة حول ذلك المبدأ:"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه". ولكن الشرق الإسلامى وحده - من سائر بقاع الدنيا - هو المكان الذى تؤسس فيه دول بأسماء أشخاص هلكوا منذ قرون طوال، بل هلكوا في الجاهلية!. لأن الانتساب لهؤلاء الأشخاص هو الذى رشح وحده للسؤدد والمجد فيقال:"الدولة الهاشمية"و"الدولة السعودية"و"الدولة الفلانية"ولعن الله هيان بن بيان الذى لم يمنح بنيه إلا الفقر والضعة!. إن كرامة العمل تضيع في البيئة التى تشتد فيها وطأة النظم الإقطاعية، لأنها بيئة الأوهام المقدسة، والخرافات المبجلة. فلا غرو أن تهمل فيها الأوزان الحقة للحياة، وأن تضاع فيها القواعد الصادقة للتقديم والتأخير، وأن تتناول فيها المبادئ العالية بطريقة تدعو للسخرية. وتلمح ذلك في نقاش الكفار المؤمنين، وكيف سجل القرآن وجهة نظر المبطلين في الرد على الآيات بأغنى الاعتراضات وأتفهها: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورء يا) . فما وجه المقابلة بين طيب المقام، وجلال الحق. ص_182