فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 32512 من 82138

(بدأت باريس تعد عدتها لاستقبال زوار معرض المستعمرات، افتتح المعرض بعد أسابيع، وكان الزائر الذي يدخل من الباب الرئيسي يشاهد على يساره جناحًا لـ"الآباء البيض"، تعرض فيه نسخ العهد القديم والجديد، ويوزع فيه كتاب بعنوان"الرسائل الجزائرية"يتناول صاحبه المحامي الجزائري التقاليد الاسلامية بنقد فيه التشويه والتشنيع، كأنما أراد به الزلفى لدى الآباء البيض، وكان الأمر الأهم في المعرض بالنسبة للزوار الجزائريين كان بلا ريب كتاب"الرسائل الجزائرية"لأنه يندرج في تلك الملابسات التي كانت فيها الإدارة الاستعمارية تهئ"الظهير البربري"كخطوة أولى لتنصير مراكش) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 228 - 232، مختصرًا] .

وهذه العقدة العرقية التي كان يعانيها أركون ضد العرب ولغة العرب ودين العرب؛ ربما تكون هي التي دفعته بشدة إلى تبني الهوية الفرنسية (هوية الغالب) للانتقام من الهوية العربية (هوية المغلوب) ، وتشرب أركون للهوية الفرنسية بكل مكوناتها وأحاسيسها عملية غريبة فعلًا، وهي تستحق دراسة نفسانية، حتى أن أركون يتمثل نفس مشاعر الغرور الفرنسية في مواجهة بقية الهويات الغربية، ففي أحد كتبه التي ترجمت من الفرنسية إلى الانجليزية يمارس فيها ذات الاستعلاء الفرنسي التقليدي على القارئ الانجلوساكسوني، حيث يقول فيها مخاطبًا الناطقين بالانجليزية:

(القراء باللغة بالانجليزية قد يكون يكونون أقل ألفة لهذه المفاهيم من القراء باللغة الفرنسية، وهذا عائد لكون الطلاب في المدارس الفرنسية يدرسون شيئًا من الفلسفة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية) .

حتى أمريكا وبريطانيا واستراليا وكندا الخ لم تسلم من مزايدة أركون على الفلسفة الفرنسية، والنمط الفرنسي في المعرفة والفكر والتعليم!

ولكن العبودية تظل عبودية، والرق يظل رقًا، فحين نستعيد التاريخ ونتذكر أنه في الوقت الذي طُرِدت فرنسا وانتهى استعمارها للجزائر عام 1962م لم يكن أركون حينذاك صغيرًا، بل كان عمره آنذاك 34 سنة، أي أنه عاش ثلث قرن تحت إهانة الاستعمار الفرنسي لهويته الجزائرية، ومع ذلك يتشرب هوية المستعمر بطريقة في غاية الغرابة.

كيف يبلغ الوضع بالمرء أن يحتضن في قلبه سيف من استعمره؟ لا أشك أن أركون كان مصابًا بمتلازمة استوكهولم ( Stockholm Syndrome) ، ولذلك حين انتقده بعض الفرنسيين لمقالته عن قضية سلمان رشدي عام 1989م؛ طاش لبه وأصابته نوبة غضب غريبة، لماذا؟ لأنه يستنكر كيف يطعنون في ولائه للفرنسيين؟ وقد شرح ذلك مطولًا في كتابه (الإسلام، أوروبا، الغرب) وقد قال فيه كلامًا ذا دلالات عميقة على عمق مشاعر العبودية والرق التي يعيشها أركون في علاقته مع الفرنسيين، حيث يقول:

(في الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي، وهذا موقف نفساني شبه مرضي، أو ردّ فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة، لقد عشت لمدة شهور طويلة بعد تلك الحادثة حالة المنبوذ، يمكن للفرنسي الأصلي أن ينتقد أشياء كثيرة دون أن يحاسبه أحد، لكن الفرنسي ذا الأصل الأجنبي مُطالَب دائمًا بتقديم أمارات الولاء والطاعة والعرفان الجميل) [الاسلام أوروبا الغرب، أركون، 105]

على أية حال .. هذه العوامل الثلاث -في تقديري الشخصي- هي من أهم العوامل التي صاغت تفكير أركون وحركته بهذا الاتجاه، وهي الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية.

لننتقل الآن إلى محاولة فهم الدور الذي لعبه أركون في فرنسا بعد ذلك.

-مفكر أم سياسي؟:

في أواسط عام 1426هـ تقريبًا التقيت بمفكر فرنسي مشهور متعاطف مع الحركات الإسلامية ويتحدث العربية، وطوال اللقاء لم أسأله إلا سؤالًا واحدًا: ما هو موقع أركون في الساحة الثقافية الفرنسية؟ فتحفظ في الجواب أولًا، ثم قال كلامًا معناه أن أركون يعرض خدماته على الحكومة لخدمة أهدافها الثقافية، هذا معنى كلامه ولا أتذكر عبارته بالضبط.

منذ قال لي هذا المفكر هذه العبارة، بدأت أتنبه لمعطيات كثيرة لم أكن أتنبه لها مسبقًا حول شخصية أركون والدور الذي يقوم به. فمثلًا:

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت