ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [18 - 05 - 10, 01:56 م] ـ
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ..
الواقع في الكفر له أربعة أحوال:
الحال الأول: ألا يقصد الفعل المكفر كأن يكون مكرهًا أو مخطئًا خطأ سبق اللسان فهذا معذور.
الحال الثاني: أن يكون قاصدًا للفعل عالمًا بحرمته وبكونه ليس من الدين قاصدًا أن يكفر فهذا غير معذور.
وهذان الحالان لا إشكال في تصورهما.
الحال الثالث: أن يكون قاصدًا للفعل عالمًا بكونه ليس من الدين لكنه لا يعلم أنه كفر أو لا يقصد أن يكفر بفعله،وهذا غير معذور والقول بإعذاره قول مبتدع محدث.
الحال الرابع: أن يكون قاصدًا للفعل غير عالم بكونه ليس من الدين بل يظنه من الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم،وهذا يمكن أن يُعذر في الجملة .. وينظر القاضي في حاله وفق قاعدة الإعذار وقانون التأويل ليحكم عليه بالحكم الدنيوي وعقوبة الكفر، أو يعذره ..
والله عز وجل وحده هو الذي يعلم مدى اجتهاده وعدم تقصيره وصدقه في طلب الحق من جهة الوحي وبالتالي فهو وحده يعلم كفره الباطن من عدمه.
وتقريرًا لبطلان الإعذار في الحالة الثالثة:
أصل هذا الباب أن الإعذار في هذا الدين هو لمن قصد الفعل لغاية طاعة الله والرسول،أما من قصد ما يعلم كونه حرامًا ولكنه لا يريد أن تترتب آثار هذا الفعل عليه فإن إرادته غير معتبرة، فتترتب المسببات على أسبابها ولا يحول بين ترتب المسبب على السبب مجرد إرادة الفاعل ألا يترتب المسبب على السبب ..
فأصل الإعذار في دين الله هو لمن لم يتمكن من معرفة الدين ما هو ففعل ما يظنه دينًا ..
أما من فعل ما يعرف أنه ليس دينًا وأن الله يحرمه عليه فهذا لا يوجد دليل شرعي واحد يحول بينه وبين ترتب آثار فعله عليه والتي منها التكفير والعقوبة ..
وهذا أصل مطرد في الشريعة أن كل من قصد تصرفًا معينًا ولكنه لم يُرد أن يترتب على هذا التصرف موجباته الشرعية أ إرادته تلك مهدرة وأن مجرد إرادته وقصده للتصرف يوجب أن تترتب على التصرف موجباته الشرعية ومثال ذلك صحة نكاح الهازل ولو أنه لا يريد ترتب موجبات الفعل الذي فعله وإنما قصد الهزل. والهازل ونحوه لم يوجد منهم قصد يخالف موجب العقد وإنما الذي وقع هو أنه لم يوجد منهم القصد إلى تحقق موجب العقد.
وكما أنه لا خلاف بين الصدر الأول في صحة نكاح الهازل فلا خلاف في عدم صحة من نطق بكلمة النكاح أو الطلاق نائمًا أو مخطئًا خطأ سبق اللسان ولا فرق بين المسألتين إلا ما أوضحناه وهو التفريق بين من لم يقصد الفعل أصلا وبين من قصده ولكن لم يرد ولم يقصد أن تترتب موجباته عليه.
وهو ما لخصه شيخ الإسلام بقوله: (( فَإِنَّ الْهَازِلَ قَصَدَ قَطْعَ مُوجَبِ السَّبَبِ عَنْ السَّبَبِ وَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّ ذَلِكَ قَصْدٌ لِإِبْطَالِ حُكْمِ الشَّارِعِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا يَقْدَحُ هَذَا الْقَصْدُ فِي مَقْصُودِ النِّكَاحِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ ) ).
ثم يقول الشيخ: (( وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا أَنَّ كَلِمَتَيْ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ إذَا قَصَدَ الْإِنْسَانُ بِهِمَا غَيْرَ حَقِيقَتِهِمَا صَحَّ كُفْرُهُ وَلَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ. فَإِنَّ الْمُنَافِقَ قَصَدَ بِالْإِيمَانِ مَصَالِحَ دُنْيَاهُ مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ لِمَقْصُودِ الْكَلِمَةِ فَلَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ , وَالرَّجُلُ لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِمَصَالِحِ دُنْيَاهُ مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةِ اعْتِقَادٍ صَحَّ كُفْرُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ مُعْتَقِدًا لِحَقِيقَتِهَا , وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ أَوْ الْكَذِبِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا , فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ أَوْ الْكَذِبِ جَادًّا , أَوْ هَازِلًا كَانَ كَافِرًا , أَوْ كَاذِبًا حَقِيقَةً ; لِأَنَّ الْهَزْلَ بِهَذَا الْكَلِمَاتِ غَيْرُ مُبَاحٍ , فَيَكُونُ وَصْفُ الْهَزْلِ مُهْدَرًا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فَتَبْقَى الْكَلِمَةُ مُوجِبَةً لِمُقْتَضَاهَا. وَنَظِيرُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)