ـ [أبو أسامة السلفي] ــــــــ [23 - 04 - 10, 01:15 م] ـ
التربية عند الصوفية / للشيخ أكرم مبارك عصبان
لقد حوت طرق الصوفية دعاوى عريضة في الحقائق، وخوارق في باب السلوك والرقائق تنتهي إلى حيث لا يقوى على تصديقها ـ فضلًا عن حملها ـ من أشرب قلبه معالم الدين، فرسموا تربية تمكنهم من التمادي في السير إلى نهاية المطاف، ولافتة يرفعونها كلما بادر عليهم الأتباع بالإنكار، واخترعوا أصولًا فاسدة لتربية مريديهم تلتقي عند القول (بحفظ الشيخ عن الخطأ) و (الخضوع التام له) حيث يستحيل المريد إلى جماد يتصرف فيه الشيخ، وبهيمة يأخذ برأسها فينقاد له بلا اعتراض، ويسلم له في جميع أحواله ولو كان يرتكب المعاصي علانية، وجعلوا هذا التسليم ركنًا ركينًا، وعقدًا مكينًا بينهم وبين المريدين، يترتب عليه آثاره، ويسري بين الطرفين، وأخذوا عليهم فيه الأيمان المؤكدة والمواثيق الغليظة، والنكتة في هذا العقد أن الغاية لا تتحصل بالعلم وإنما بالرياضة على يد شيخ قد جرب الطريق وكشف له الحجاب وتجلت له الأنوار فيدرج المريد خلف شيخه في عقبات الطريق ليحصل له الكشف.
قال السهروردي: (الشيخ يسلك بالمريد طريق التزكية، وإذا تزكت نفسه انجلت مرآة القلب، وانعكست فيه أنوار العظمة الإلهية، ولاح فيه جمال التوحيد) ( [1] ) وبعد التسليم بالعقد يدخل المريد في حكم شيخه، وتكون الخرقة الصوفية شعارًا لهذا النوع من التربية، وعلامة للقبول في الطريقة، ويدخل الزوايا أو الخوانق التي بنيت لتجمع شمل هؤلاء القادمين ويتخرجوا من عتباتها.
أهمية الشيخ المربي في الفكر الصوفي:
تظهر أهمية الشيخ في الوصية به كونه حجر الزاوية في التربية، ومن لم يكن له شيخ فليس بشيء، ونقلوا عن البسطامي قوله: (من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان) وقريبًا منه قول الرفاعي: (من لم يكن له أستاذ فشيخه الشيطان) ويرى علي محمد وفا أن المريد كالعورة التي لا حرج أن تبدو للطبيب في علاجه المرض، لكي يطلع الشيخ على كل ما يتعلق بالمريد فيقول: من ليس له أستاذ ليس له مولى، ومن ليس له مولى فالشيطان به أولى. وكان يقول: ينبغي للمشايخ تفقد حال المريدين، ويجوز إخبار الأستاذ بما في بواطنهم إذ الأستاذ كالطبيب، وحال المريد كالعورة، والعورة قد تبدو للطبيب لضرورة التداوي، وفي الحقيقة كل مريد رأى أن له عورة مع شيخه فهو أجنبي عنه لم يتحد به ( [2] ) .
ويبعد أبو المواهب الشاذلي في الوصية إلى الغلو في الشيوخ فيقول: ما ثقل على الأشياخ خدمة أحد من الفقراء إلا لعلة في قلب الخادم كتمها عنهم، وهذه علة لا يسلم منها إلا من أتى الله بقلب سليم، ولو أن الخادم كان أظهر لهم تلك العلة لربما وصفوا له دواءها أو شفعوا له فمحاها الله تعالى عنه من اللوح! أو سألوا النبي في الشفاعة فيه فيشفع إلا إذا كان قضاء مبرمًا لا مرد له!!!
وقد رأى السيد عبد القادر الجيلاني لمريده أنه لا بد له أن يزني بامرأة سبعين مرة!! فقال: يا رب! اجعلها في النوم فكان كذلك ( [3] ) . وهذه ظلمات بعضها فوق بعض، وملامح التخريف بادية على الوصف، ولذا لم يكتف الواصف بأمرالجيلاني ـ الذي نربأ به عن ذلك ـ بالزنا مرة واحدة، بل جعلها سبعين إذ لا يضره كمية العدد ما دام الكيل جزافًا؟
المريد كالميت عند مغسله:
هكذا اختار الصوفية هذا التشبيه لتصوير المريد بين يدي شيخه، واستملحوا إيراده كثيرًا دون نكير، وهو يوحي بالموت الكامن وراء هذه التربية، فيصير المريد كالميت بين يدي مغسله، وهذا شرطٌ لازمٌ وجوده، فإذا فقد هذا الشرط ذهب العقد برمته، فليستصحب المريد إذا هذا الشرط القوي، ويحرم عليه السؤال بكيف؟ ولمَ؟ وقد صاغه بعضهم بالشعر قائلًا:
وكن عنده كالميْت عند مغسل يقلبه ما شاء وهو مطاوع
ولا تعترض فيما جهلت من أمره عليه فإن الاعتراض تنازع
وسلم له فيما تراه ولو يكن على غير مشروع فثم مخادع
وفي قصة الخضر الكريم كفاية لقتل الغلام والكليم يدافع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)