ويزيده إبراهيم الدسوقي تفصيلًا فيقول: المريد مع شيخه على صورة الميت لا حركة ولا كلام ولا يقدر أن يتحدث بين يديه إلا بإذنه من زواج أو سفر أو خروج أو دخول أو عزلة أو مخالطة أو اشتغال بعلم أو قرآن أو ذكر أو خدمة في الزاوية أو غير ذلك، وهكذا كانت طريق السلف والخلف مع أشياخهم فإن الشيخ هو والد السر، ويجب على الولد عدم العقوق لوالده، ولا نعرف للعقوق ضابطًا نضبطه به إنما الأمر عام في سائر الأحوال، وما جعلوه ـ أي المريد ـ إلا كالميت بين يدي الغاسل، وكان يقول: يجب على المريد أن لا يتكلم قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرًا وإن كان غائبًا يستأذنه بالقلب.
ويعد أبو المواهب الشاذلي السؤال بـ (لم؟) ذنبًا عند الصوفية فيقول: ربما منع المريد من أجل قوله لشيخه: لم فإنه ذنب عند أهل الطريق لا يشعر به كل أحد.
ويزيد الطين بلة نور الدين المرصفي فيزعم أنه ليس للمريد أن يسأل شيخه عن سبب غيظه وهجره له، بل ذلك من سوء الأدب، ولا يجوز للمريد عند أهل الطريق أن يجيب عن نفسه أبدا إذا لطخه شيخه بذنب؛ لأنه يرى ما لا يرى المريد!!! ( [4] ) .
المريد ملك الشيخ:
الفناء في إرادة الشيخ والعبودية له بحيث يصير ملكًا يفعل فيه ما يشاء هذه عبارات وردت في قاموس الصوفية، الطلبة يرون أنفسهم ملكًا للشيخ يفعل فيهم ما يشاء، فهذا نموذج منهم يسمى محمد الغمري خدم عند أحمد الزاهد فقال: وكان قد قسم الفقراء ثلاثة أقسام: كهول وشباب وأطفال، وقد أخذ العهد عليهم أن لا يجيب أحد عن نفسه قط بل يعفو عن الظالم أو يشكوه للشيخ يفعل فيه ما شاء من حيث أنهم كانوا يرون نفوسهم ملكًا للشيخ يفعل فيهم ما يشاء، وهم أوصياء على أجسامهم فينتصرون لها من حيث أنها مضافة إلى الحق، وما كان أحد منهم يتكدر مما يفعله الشيخ معه من هجر أو إخراج أو ضرب أو جوع أو نحو ذلك بل كانوا يرون الفضل للشيخ!!! ( [5] ) .
وقد عبر بعضهم بأن المريد من تحقق بمراده في عين أستاذه وهو فناء إرادة المريد في إرادة الشيخ فلا حركة ولا سكون إلا موافقًا له، وفي هذا يتغنى القائل:
وأنزل الشيخ في أعلى منازله واجعله قبلةَ تعظيم وتنزيه
واترك مرادك واستسلم له أبدًا وكن ميتًا مخلى في أياديه
واعدم وجودك لا تشهد له أثرًا ودعه يهدمه طورًا ويبنيه
آداب المريد في تقديس الشيخ:
أدب المريد على سبيل الإجمال هو الخضوع التام كما سبق، وعلى سبيل التفصيل وردت جملة آداب لا تمت للشرع بصلة، بل هي تؤدي إلى الغلو في الشيوخ،
منها: خدمة الشيخ وأنها أفضل من الحج كما عند يوسف العجمي في قوله (إنما يصلح السفر للرجال إذا كملوا، وأما المريد فإقامته في خدمة شيخه ساعة ساعةً أفضل من خمسين حجة) .
ومنها عدم استدباره؛ لأنه أعظم من الكعبة كما قال الشعراني: (لا ينبغي للمريد أن يستدبر شيخه أبدا إلا بإذن ويكون ذلك مع استشعار المريد الخجل حتى كأنه يمشي على الجمر فإن شيخه أعظم حرمة من الكعبة) ( [6] ) .
ومنها عدم الاعتراض عليه بالقلب فضلًا عن اللسان قال القشيري (ومن شرطه أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه) ( [7] ) وأن يجلس عنده بخشوع ولا يطأ سجادته:
وسلم الأمر له لا تعترض ولو بعصيان أتى إذا فرض
وكن لديه مثل ميت فانيلدى مغسل لتمس داني
ولا تطأ له على سجادة ولا تنم له على وسادة
منهج الصحابة:
لا شك أن منهجًا كهذا لا يخرج إلا أرتالًا من الأتباع الذين لا إرادة لهم، يسكتون على المنكرات، ويستسيغون الخرافات، ويمشون في ركاب التصوف مغمضي العينين إلى حيث مهالك الوحدة وغيرها من القضايا الفلسفية، وهو منهج منحرف عن منهج الصحابة الذين تربوا على العلم والأخذ بالنصوص، وقد استوقفني من أمرهم موقفان حدث كلاهما في الكوفة التي وليها كل من ابن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وكأني بأبي موسى وقد وردت عليه مسألة في الفرائض فيها بنت وبنت ابن وأخت، فقضى للبنت النصف وللأخت النصف وأسقط بنت الابن، ثم استدرك قائلًا: وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر باستدراك أبي موسى فقال: ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت ما بقي، فأتى أبا موسى وأخبره بالجواب فقال: لا تسألوني ما دام فيكم هذا الحبر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)