فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31044 من 82138

ولئن صال ابن مسعود هنا بحجته على أبي موسى فإن الموقف الآخر يقضي بالحجة لأبي موسى، فبينما هما في أحد المجالس الطيبة قال أبو موسى لابن مسعود: أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد الماء كيف يصنع؟ فقال أبو عبد الرحمن: لا يصلي حتى يجد الماء، فقال أبو موسى فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كان يكفيك، قال: ألم تر أن عمر لم يقنع بذلك، فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمر، كيف تصنع بهذه الآية: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [النساء:43] فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم. ا. هـ ( [8] ) .

ولم يقنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقول عمار لكونه أخبره أنه كان معه في تلك الحال، فقال: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت، وقد فسر النووي جملة عمر رضي الله عنه الأخيرة بأنه لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقًا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به. أ. هـ.

والملمح المهم في هذا السياق هو إعلام عمار لعمر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم حمل عمار على رأيه مع أنه ـ أعني عمر رضي الله عنه ـ رأس الملهمين، وليس في الملهمين أفضل منه لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح: (إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر منهم) وتأمل مراجعة عمار له رضي الله عنهما في المسألة السابقة تجد أنه لم يدع العصمة، مع أنه قد وافق ربه في بعض أشياء، وناقشه الصحابة في أمور، ورجع إلى قولهم كمناظرة أبي بكر له في مانعي الزكاة وغيرها، فماذا يقول هؤلاء الصوفية الذين يحتجون بالإلهام ويأخذون الأثر بخلاف مأخذه الصحيح ( [9] ) .

نقض الشبهات:

يورد الصوفية شبهات في باب التربية الذليلة التي ابتدعوها نقف عند اثنتين:

الأولى: القول بحفظ الشيخ.

الثانية: الاستدلال بقصة موسى والخضر عليهما السلام، فأما ما كان من حفظ الشيخ فإنهم يضاهئون به عصمة الأئمة عند الرافضة، وقد أثبت القول بالحفظ القشيري بقوله: (ومن شرط الولي أن يكون محفوظًا كما أن من شرط النبي أن يكون معصومًا) والسبب يعود عندهم كون الحق يتولى تصرفه (فيصرفه في وظائفه وموافقاته فيكون محفوظًا فيما لله عليه مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات فلا يكون له إليها سبيل وهو العصمة) ( [10] ) .

وقد وضح شيخ الإسلام هذا الغلو الذي يقضي بالعصمة فقال في منهاج السنة: (وكثيرًا من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في الشيخ نحو ذلك ويقولون: الشيخ محفوظ ويأمرون باتباع الشيخ في كل ما يفعل لا يخالف شيئًا أصلًا، وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية التي تدعي في أئمتها أنهم كانوا معصومين) وأضاف في موضع آخر: (بل كثيرًا من الناس من عبادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم يعتقدون من شيوخهم العصمة من جنس ما يعتقده الرافضة في الاثني عشر، وربما عبروا عن ذلك بقولهم: الشيخ محفوظ) وقال في الفتاوى: (أما الشرك فغالب عليهم أن يحبوا مشايخهم أو غيره مثل ما يحبون الله ويتواجدون على حبه) ( [11] ) .

وأما الاستدلال بقصة موسى والخضر عليهما السلام الذي يبتغون من ورائه القول بامتلاك العلوم اللدنية فإنه مردود، وتنحل أول عقدة منه بالقول بنبوة الخضر لقوله: (وما فعلته عن أمري) وتنحل الثانية بالقول بوفاته، وقد زاد شيخ الإسلام ابن تيمية نقض هذا الاستدلال أيضًا من جهتين: إحداهما أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر لقوله: (إني على علم من الله علمنيه الله لا تعلمه .. ) والثانية أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى بل كان موافقًا، لكن موسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك ( [12] ) .

تمارين على الاستكانة والذل:

لم تزل تفعل الحكايات الصوفية فعلها في تربية المريدين حتى استكانوا لشيوخهم فلا ينكرون عليهم، ولو فعلوا المنكر الذي لا مرية فيه، والقصص في هذا المجال كثيرة تمرّن المريد على الخضوع ويرتضع من لبانها منذ وضع قدمه في الطريق، ونجيز لأنفسنا بالتقاط ثلاثة مشاهد يرويها لنا أحمد بن مبارك السجلماسي وهي:

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت