(ولعلي رضي الله عنه أشباه في ذلك كثير من الأحوال والأخلاق والأفعال التي يتعلق بها أرباب القلوب وأهل الإشارات وأهل المواجيد من الصوفية) .
فهذه العبارات كلها لم تكن مقتبسة منقولة من التشيع و بل إنها شيعية وصرفة.
وبعد هذا كله نريد أن نبيّن توغل الصوفية في علم الباطن وعلاقتهم به , وسبب إلتجائهم إليه , فنقول:
(إن الصوفية يقولون: إن علم الباطن المسمى بعلم القلب وبعلم التصوف , علم جليل شريف نفيس , وهو أجلّ العلوم وأشرفها , وهو الزبدة الممخوضة من الشريعة التي لم تبعث الأنبياء عليهم السلام إلا لأجلها ... وهو علم طريق الآخرة , وهو العلم الذي درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم , وهو العلم الذي لم يبعث الله الأنبياء إلا لأجله. وقد سماه الله تعالى في كتابه فقها وعلما وضياء ونورا وهدى ورشدا , وهو مستخرج من القرآن والسنة , ومدلول عليه منهما نصّا وتصريحا وتلويحا وكتابة وإشارة وغير ذلك من أصناف الدلالة.
قال الغزالي: علم الباطن هو علم يقين المقربين , وثمرته الفوز برضا الله تعالى , ونيل سعادة الأبد , وبه تزكية النفس وتطهيرها , وتنوير القلب وصفاؤه بحيث ينكشف بذلك النور أمور جليلة , ويشهد أحوالا عجيبة , ويعاين ما نمت عنه بصيرة).
وقالوا:
(هل ظاهر الشرع وعلم الباطن إلا كجسم فيه روح ساكن
والعلم الظاهر هو علم العبودية والعلم الباطن هو علم الربوبية).
وقالوا:
(لا تجعلوا أحدا من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن) .
وخلاصة هذا أن علم الباطن هو التصوف بعينه , وهو ما أشار الكلاباذي نقلا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال:
(سألت الحسن عن علم الباطن فقال: سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال: سألت رسول الله عن علم الباطن فقال: سألت جبريل عن علم الباطن فقال: سألت الله عز وجل عن علم الباطن فقال هو سرّ من سرّي , أجعله في قلب عبدي , لا يقف عليه أحد من خلقي.
قال أبو الحسن بن أبي ذر قي كتابه منهاج الدين أنشدونا للشلبي:
علم التصوف لا نفاذ له علم سنيّ سماويّ ربوبيّ
فيه الفوائد للأرباب يعرفها أهل الجزالة والصنع الخصوصي).
وبالغوا في مدحه حتى قالوا:
(سئل بعض العلماء عن علم الباطن: أي شيء هو؟
فقال: سرّ من سرّ الله تعالى يقذفه في قلوب عباده لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا).
و (علم الباطن سر من أسرار الله) .
وكذب الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نسب هذا الكلام إليه صلوات الله وسلامه عليه فقال:
(علم الباطن سر من أسرار الله تعالى وحكمة من حكمته يقذفه في قلوب من يشاء من عباده) .
ولقد بين داود القيصري من هم أصحاب العلم الباطن , وما هي قيمتهم ومنزلتهم مقابل أصحاب الظاهر , شارحا مبيّنا الحديث الموضوع الذي ذكرنا فيما سبق , فيقول:
(ولما كان للكتاب ظهر وبطن وحد ومطلع , كما قال عليه السلام:(إن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومطلعًا) , وقال عليه السلام: (إن للقرآن بطنًا ولبطنه بطنًًا , إلى سبعة أبطن) وفي رواية (إلى سبعين بطنًا) , وظهره: ما يفهم من ألفاظه ويسبق الذهن إليه. وبطنه: المفهومات اللازمة للنظر الأول. وحدّه: ما إليه ينتهي غاية إدراك الفهوم والعقول , ومطلعه: ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود , من الأسرار الإلهية والإشارات الربانية. والمفهوم الأول , الذي هو الظهر , للعوام والخواص. والمفهومات اللازمة له (هي) للخواص ولا مدخل فيها للعوام. والحدّ للكاملين. والمطلع لخلاصة أخص الخواص كأكابر الأولياء. وكذلك التقسيم في الأحاديث القدسية والكلمات النبوية: فإن لكل من العوام والخواص وأخص الخواص فيها إنباءات رحمانية وإشارات إلهية - من اجل هذا كله - كان للشريعة ظاهر وباطن.
(ومراتب العلماء أيضا فيهما متكثرة. ففيهم فاضل ومفضول , وعالم وأعلم , والذي نسبته إلى نبيه أتم وقربه من روحه أقوى , كان علمه بظاهر شريعته وباطنها أكمل. والعالم بالظاهر والباطن منه أحق أن يتبع , لغاية قربه من نبيه , وقوة علمه بربه , وأحكامه , وكشفه حقائق الأشياء , وشهوده إياها. ثم من هو دونه في المرتبة إلى أن ينزل إلى مرتبة علماء الظاهر فقط) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)