الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، نحمده حمدًا متعدٍ يفوق العدَّ والحسبان على نعمه وآلائه العظام، ونستغفره ونشكره، ونسأله العز والعفو وحسن الختام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، الذي لم يأل جهدًا ولم يدخر وسعًا في تبليغ الرسالة، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين طهرتهم من كل تعصب إقليمي أو قبلي، وعلى كل من تمسك بهديه ومن دعا بدعوته وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله سبحانه، فقد حباكم بدين كله مكارم ومحاسن إنه دين أكرم الله أهله وفضلهم على سائر من خلق تفضيلًا دين حمى مصالح من تمسك به بسياج حديدي وإن كان أعجميًا لا أصل له، أو مولى أو لم يكن له نسب دين احترم النفوس؛ فقد أوجب القتل على من قتل نفسًا عمدًا، أو سعى في الأرض فسادًا أن يقتل أو يصلب دين احترم الأموال؛ فقد أوجب قطع اليد على من سرق ثلاثة دراهم فأكثر دين احترم الأعراض، فقد أوجب ثمانين جلدة على من قال لأمرأة: يا زانية، أو غير ذلك من قواذف اللسان الخبيثة التي يقذف بها من تعاليم الشيطان، فمن قذف بهذه الكلمات أوجب عليه الشارع الحكيم ثمانين جلدة.
إنه دين احترم أنسابكم؛ فأوجب القتل على الزاني رجمًا بالحجارة -الزاني المحصن وهو الذي تزوج- وإبعاد من لم يكن محصنًا مع جلده مائة جلدة دين احترم العقول فحرم كل ما فيه خطر على تغطية العقل من خمر أو حشيش أو حبوب مخدرة أو غيرها دين لم يفرق بين عربي ولا أعجمي، ولا أسود ولا أبيض، وإنما جعل الرابط الوحيد والعلاقة الحقة هي الإيمان بالله.
وبالجملة فهو دين أودع الله فيه من الحكم ما هو كفيل بخلوده، وأودع الله فيه ما جعله صالحًا لكل زمان ومكان، صالحًا لمسايرة الإنسانية في تقدمها، ورقيها، وحضارتها الحقيقية.
ولا غرابة -يا أمة الإسلام- فهو دين البشرية جمعاء، الدين الذي جاء إليها وهي ترزح تحت أغلال ظلمات الجهل، فأقام سياستها على مبدأ واحد، وإذا أرادت شمسه أن تغيب فلا حول ولا قوة إلا بالله! ولا غرابة؛ فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا} ولكن نأمل من الله واسع الفضل والإحسان أن يجعلنا من الأمة الباقية على دين ربها، لا يضرها من خالفها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.