الحمد لله الذي كتب على هذه الخليقة فناءً وزوالًا، وجعل لكل شيء منها إدبارًا وإقبالًا؛ ليدلنا بذلك على أن لكل نازل رحيلًا وانتقالًا.
أهَلَّ علينا شهر الصيام ليفيض فيه علينا من الإحسان والرحمة والغفران، ففاز من أطاع الله فيه، وخاب وخسر فيه من أساء الأعمال وعصى الرحمن، فسبحان من قسم عطاءه بين خلقه! فهذا مقبول، وهذا مردود، أحمده سبحانه وأشكره، إذ أعاننا على الصيام والقيام، كرمًا منه وإفضالًا.
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، اللهم لا تردنا خائبين، ولا من رحمتك آيسين، ولا من عطائك مفلسين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
يا أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ.
عباد الله: لَئِنِ انقضى شهر الصيام فإن العام كله محل عبادة للواحد القهار، فالله عزَّ وجلَّ يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ويقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] .
ففي الحث على الصيام يقول سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر} رواه مسلم.
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: {صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، رواه الإمام أحمد ومسلم.
ويقول صلى الله عليه وسلم: {أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم} .
وكان صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، ويقول: {إن الأعمال تُعرض فيهما، فأرجو أن يُعرض عملي وأنا صائم} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فهذا هديه صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا: حث على صيام يوم عرفة، ويوم العاشر من شهر المحرم.