الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الشأن العظيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله عز وجل، واعلموا -يا أمة الإسلام- أن الله جلَّت قدرته ما أنزل القرآن إلا لتعملوا بمحكمه، وتؤمنوا بمتشابهه، وتقولوا: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8] ففي القرآن كل دلالة على الخير، وكل تحذير من الشر، وإنما تحصل الدلالة على الخير للمؤمنين: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2] .
أمة الإسلام! في كتاب الله آية كريمة تعالج مشكلة اجتماعية تكلم عنها العلماء، وأطنب في ذكرها الخطباء، وعاتبني فيها بعض الناس، يقول: إنك لا تتعرض لها، فما هي؟
هي الواقع المرير الذي يعيشه كل ذكر وأنثى محروم من الزواج، تلك هي مشكلة: (الزواج) فهو أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز، وتترتب عليه عمارة الكون، وقد كان من الواجب أن يصبح أمره ميسرًا ليكون باستطاعة كل فرد أن يقدم عليه مهما كان وضعه غنيًا أو فقيرًا، أميرًا أو صعلوكًا، امتثالًا لأمر الله جلَّ وعلا: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32] .
ففي الآية الكريمة ندب وحث على تزويج الأيامى، والأيامى: جمع أيم، وهي: المرأة لا زوج لها، والرجل لا زوج له.
وكذلك في هذه الآية الكريمة الوعد الصادق من رب العالمين الذي لا يخلف الميعاد، الوعد بالغنى والخير لمن يتزوج ليريد العفاف.
أيضًا في الآية الكريمة قطع لحجة الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة، فهذا ادعاء باطل، فإن الحياة وما فيها من الأرزاق بيد الحي القيوم القادر على كل شيء، وقد أخبرنا نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه: {لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها} فعليك -أيها المسلم- أن تفعل الأسباب، وتستعين بالله -جلَّ وعلا- في طلب الرزق، وتعلم حق اليقين! أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، ثم ليعلم الماديون -أهل الطمع والجشع- أن الرازق والمعطي هو الله وحده لا شريك له، فإنه قادر أن يغني فقيرًا ويفقر غنيًا.
فهذا رد على أهل النظرة الخاطئة الذين يقولون: لا نزوج فقيرًا يزيده الزواج فقرًا لفقره، هذا إذا اجتمع (مجلس الوزراء الداخلي) الأم والأب وبعض الأقارب الذين يريدون أن يمتصوا هذا المهر -مهر هذه الفتاة- ثم يجتمع هذا المجلس على أمر خطير كلٌ يدلي برأيه، هذا يقول: فقير، وهذا يقول: خضيري، وهذا يقول: قبيلي، وهذا يقول: طويل، وهذا يقول: عريض، وهذا يقول: اشترطوا عليه التلفاز، وهذا يقول: اشترطوا عليه الفيديو، وهذا يقول: اشترطوا عليه محلًا واسعًا، ولا نرضى المطرقة ولا نرضى الزرادية.
مع الأسف الشديد من المطرقة؟
هو الأب الذي قضى حياته ليرى هذا الابن سعيدًا في هذه الحياة، يكد ليله ونهاره ليجمع له لقمة العيش، ومن هي الزرادية -أو كما يقولون: الكولة-؟
هي: الأم المسكينة التي حملته في بطنها تسعة أشهر، وضمته في حجرها وجعلته له سريرًا، لا تتلذذ بالنوم ما دام هذا الابن صاحيًا يتململ، فهي كأنها تحس بهذا الملل، ثم بعد ذلك يشترط هذا المجلس -الذي لا بارك الله فيه- يجتمع فيه الأم والأب وبعض القرابة، ويقولون: لا نريد الشاكوش ولا نريد الكولة.
الله أكبر! أين المسلمون؟ أين الإسلام؟ من هؤلاء الذين يعينون على قطع الأرحام، وعلى قطع الصلة بين القرابة، وعلى عقوق الوالدين؟
إنها مصيبة عظمى يا عباد الله! متى نتخلص من هذا؟ نتخلص من هذا إذا قطعنا المسلسلات الخبيثة التي تحارب الأم والأب، وتحارب تعدد الزوجات، إذا قطعنا هذه المسلسلات التي جرأت الأطفال على السرقة، وعلمتهم شرب الدخان، وعلمتهم ترك الصلاة، وعلمتهم العقوق، ورفع الأصوات على الوالدين، إذا قطعنا هذه المسلسلات ورجعنا إلى رب العالمين؛ فإننا سوف نعرف رشدنا.
أمة الإسلام: إن الزواج أصبح في هذه الأزمنة المتأخرة مشكلة معضلة، وليس هذا عن قلة الفتيات، ولكن عن وجود ما ذكرت لكم من هذه الأمور القاطعة، ومن هذه الأمور التي تعوق الشاب أن يقدم ليحصل على فتاة يعف بها نفسه، امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء} .