ثم أن الذين جاءوا أبعدهم، وهم أهل القرون الوسطى وما بعدها، وجدوا في عصر انحطت فيه المدنية، وتشاغل فيه الناس عن العلوم، ولم يلتفت إليها من كتب منهم، في مثل هذه المواضيع. وبقي أمر السفينة سدىً.
ولذا اخذ العرب هذه الصناعة (اعني صناعة السفن) ، عن اليونانيين؛ فكانوا يبنونها على طرز سفن اليونان والرومان ثم عدلوها أيام حضارتهم.
والتعرض لهذا الموضوع، يستلزم تأليف كتاب، قائم برأسه. ولهذا نضرب صفحًا عن
الإيغال فيه. ونجتزئ بذكر ما يفيد بحثنا، وهو وصف السفينة العراقية الحالية، وشرح أسمائها، وآلاتها المتداولة المستعملة عند أهلها اليوم. والإشارة إلى المخالف والمؤالف منها عند الاقدمين، مستندين في وضع ذلك كله، على ما سمعناه من أهلها، ورأيناه بالمشاهدة، وسألناهم اياه، حينما ترددنا إلى نهري دجلة والفرات، غير مرة. ولم يكن لنا وقتئذٍ مركب على الماء سواها.
فلنبدأ الآن بوصف إنشاء السفينة أولا، ولنأت بعد ذلك على أسمائها، وآلاتها، شيئًا بعد شيء. فنقول:
3 -بناء السفينة العراقية
أول ما يبنى من السفينة صحنها، ويسمونه (طابقًا) ، ويلفظون القاف كافًا فارسية أو جيما مصرية. وهو عبارة عن أخشاب سوية ممدودة عرضًا. ثم يؤخذ ببناء جنبيها، ويتخذان من أخشاب منحنيات قليلًا. وتسمى تلك الحنايا عند أهل السفن: (عطوفًا) وأحدها (عطف) ، عند الأقدمين (قائفًا) ؛ ويسمون ما بين العطوف: (جوابش - كوابش) جمع جابشٍ - كابشٍ) وعند الأقدمين: (طائقًا) . ويختلف طول تلك الأخشاب وقصرها، وكذلك يختلف ارتفاع ذلك الجنب. فأطول ما يكون من خشب العطوف نحو ثلاثة أمتار. وأقصرها قراب مترٍ ونصف مترٍ. ويكون صدرها مرتفعًا مستطيلًا ملقوطًا أي ململمًا. فهو أشبه شيء بأحد طرفي القوس إذا وضعتها على