لحياة كثير من جنسها فتكون أمًا لها. ومن هذا الصنف الأخير كتاب (تاريخ الصحافة العربية) فإن صاحبه أفرغ كل ما في وسعه ليكون سفره جامعًا لأبحاث هذا التاريخ وما تشتت منه في مئاتٍ من المصاحف والصحف فجاء آية في التحقيق والتدوين. ومن حسناته العجيبة أن مؤلفه أثابه الله رصعه بأقوال الصحافيين ترصيعًا عجيبًا مما يدل على إطلاع واسع على الجرائد والمجلات واستقصائها استقصاء بعيد الغور. فلا جرم أن هذا المصنف يكون موردًا ضروريًا لكل من يريد أن يكتب بعده في هذا الموضوع ويبقى كالشمس النيرة بنفسها تقتبس منها سائر الأقمار أنوارها وأما هي فلا ينقصها شيء. ولو لم يكن لحضرة هذا الكاتب الضليع إلا هذا الأثر الجليل المنيف لكفاه خلودًا في عالم الكتابة والتأليف.
أما الجزء الأول فيحوي أبحاثًا رائقة لا غنى للأديب الصحافي عنها. إذ فيه ذكر تراجم مشاهير الصحافيين في الحقبة الأولى وعددهم 22 كاتبًا فيهم سبعة من المسلمين وأربعة عشر من النصارى وأحمد فارس الشدياق النصراني الأصل والنشأة الذي أسلم حينما كان عمره 44 سنة أي في منتصف حياته.
ويحوي الجزء الثاني أخبار صحافة البلاد العثمانية وتراجم مشاهيرها وذكر من أعلامها في بيروت 25 كاتبًا ثلاثة منهم مسلمون والبقية نصارى ثم تطرق إلى ذكر أخبار الصحافة خارجًا عن بيروت. وذكر من مشاهيرها 9 محررين منهم ثلاثة مسلمون والبقية نصارى ثم ختم الجزء بأخبار الصحف العربية في أوربا وعدد من نوابغهم ثمانية نصفهم نصارى ونصفهم مسلمون وأتم الكل بذكر جميع الصحف والمجلات التي ظهرت في الحقبتين الأولى والثانية في ديار آل عثمان وديار الإفرنج. - فأنت ترى من هذا النظر المجمل إن الكتاب من أنفس ما ألف في هذا الموضوع وهو حسن الطبع والكاغد فيه صور كثيرين من نوابغ الصحافة وحري بأن يقتنيه كل أديب ليطالع فيه أو يجعله من محسنات مكتبته. والكتاب متقن التأليف والتنسيق والتبويب صحيح التركيب صادق اللهجة لا يتحزب لأحد ولا يقوم على كاتب أو يهجم عليه مهما كان فكره أو مذهبه شأن المؤرخ المتجرد من كل غرض وقد ذكر المؤلف في أول صفحة من مقدمة سفره هذا القول: البلاد التي لا صحافة فيها لا صحة فيها. وهو من كلام هذا العاجز في المسرة. وذكر في 2: 161 ما حرفه: وما طال غياب البستاني كثيرًا