خليج فارس من الرأس المسنن إلى مدالث العورآء أو شط العرب.
فهذان الساعدان ساعدا بحر الهند أي بحر عمان وبحر فارس يوغلان في الأرض على غور 500، 2 كيلومتر ويمكنان البواخر من أن تصل فوهة شط العرب. وإذا وصلت هناك جاءت بواخر أو سفن أخرى دون الأولى غوصًا في الماء، ونقلت أحمالها على دجلة. ويحمل دجلة السفن النهرية إلى أبعد موطن من بين النهرين إلا أنها لا تصعد الآن إلى ما
وراء بغداد، لأن وادي السلام يحتاج إلى أن يكسح عقيقه من الرمال ليكون قابلًا لحمل السفن إلى حيث ما يرام، أما الفرات فإنه من بعد أن يصاحب أخاه دجلة ويتفق معه ويتحد به بحيث أن الرائي يظنهما واحدًا ينخزل عنه وينشعب ويولى مدبرًا هائمًا على وجهه في رمال الجزيرة وصحراء الشامية حتى يخال الناظر إليه أنه يريد الهرب إلى ديار الشام كأنه يقول في نفسه: بما أن العراقيين لم يقدروا قدري ولم يعرفوا منزلتي ولا فوائد مياهي ولم ينتفعوا بها فإني فار إلى حيث أريد، إلى صديق لي في ديار الشام اسمه (العاصي) لنشق كلانا عصا الطاعة على أبناء هذه الديار الذين لا يعنون بالزراعة ولا بالفلاحة ولا بالغراسة ولا ولا ولا. . . وكان ناصحًا نصحه في نهاية الأمر إلى الرعوى فارعوى إذ قال له: يا أخي لا تترك الوطن، إن الوطن عزيز فارجع إليه. وما كاد يسمع هذا الكلام إلا ورجع عن غيه إذ تراه يعود إلى نحو أخيه البكر دجلة من قلعة نجم مقابل منبج إلى أن يرجع إلى منابعه في ديار الأرمن.
ترى مما تقدم بسطه وشرحه إن افتراق النهرين الواحد عن الآخر هو لخير هذه البلاد ليمدها بالماء والنماء وهذا ما تثبته الأقدمون من أعرق الأزمان قدمًا ولهذا كان للحواضر القديمة: نينوى وبابل والمدائن (أي طيسفون وسلوقية) ولا سيما كركميش شهرة طائرة في التاريخ. وقد نوه بمجد هذه الأخيرة وعزها وغضارة حضارتها الأخبار القديمة المدونة على صفحات الآجر وصحف المهارق