مضيت مصاحبا فشكره وقال ما أكره ذلك وكان للصيرفي غرفة على دكانه فأصعده وحانت صلاة المغرب فصف أبو نواس قدميه وأقبل على الصلاة فجاءه الصيرفي بطعام طيب وسأله أن يتحرم به فانفتل من صلاته وتناول شيئا يسيرا وقال هذا إفطاري ولا أفطر إلا من الليل إلى الليل وجاء بنبيذ فتنافر منه أبو نواس وقال لست من أهله ولا ممن يستعمله ولا ذقته إلا في أوائل العمر والحداثة وحملني على ذلك حينئذ غرة الشباب إذ كان مسكرا والسكر حامل على كل معصية مذموم عند أهل كل ملة فأتاه بحلوى فأكل منها وقعد النصراني وابنه واخوه يشربون وأبو نواس يحدثهم بأحاديث الزهاد والنساك والقراء والصالحين والسياح على عهد عيسى عليه الصلاة والسلام حتى ذهب الليل وكاد الصبح ان يسفر وعمل النبيذ فيهم وناموا في الغرفة معه نوما مستثقلا بالسكر والسهر فامهلهم حتى علم أن قد استغرقوا في النوم ثم قام إلى الغلام فقضى منه أربه فانتبه الغلام فزعا مذعورا فلما رأى ما فعل به اقبل يشتمه ويسبه ووثب عليه فقال ترفق يا حبيبي فالطيش والحرد بحمد الله تعالى لا يشبهانك وانت بحمد الله تعقل واشتغل الغلام بالنظر إلى ما جرى عليه ونجس من ثيابه فنزل أبو نواس من الغرفة وقد مر أوائل الناس في الطريق حتى أتى منزله بباب الطاق فلما أصبح غير ثيابه وحضر باب أسماء بنت المهدي وكان يجتمع عنده الشعراء فجئت فقعدت إلى جانبه فحدثني الحديث
وقال في المجون يصف ما جرى له معه
( إذا هجع النيام فخل عني ** وعمن كان يصلح للدبيب )
( فإني عالم فطن أريب ** ولا يخبرك مثل فتى أريب )
( ألذ النيك ما كان اغتصابا ** بمنع الحب أو منع الرقيب )