يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات لموافقة العادات أولى من اتباع الواضحات وإن خالفت السلف الأول وربما ألمّوا في تقبيح ما وجّهت إليه وجهتي بما تشمئزّ منه القلوب أو خرّجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ً ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة، فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات حالة الإمامة .. وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب .. وتارة أضيف إلى القول بجواز القيام على الأئمة وما أضافوه إليّ إلا من عدم ذكرهم في الخطبة وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم، وتارة حُمل عليّ التزام الحرج والتنطع في الدين. وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة .. وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها - وهي الناجية - ما عليه العموم وجماعة الناس في كل زمان وإن خالف السلف الصالح ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. وكذبوا عليّ في جميع ذلك أو وهموا والحمد لله على كل حال .. فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ لأن المؤالف على وصفه الأول قليل فصار المخالف هو الكثير فاندرست رسوم السنة حين مدّت البدع أعناقها فأشكل مرماها على الجمهور فظهر مصداق الحديث الصحيح .. وعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها كما تقدم فالتبس بعضها ببعض فتأكد الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين" [1] ."
(6) - قال العلامة ابن القيم رحمه الله:"وإذا أردت معرفة بطلان المقالة فكرّر النظر في أدلتها، فأدلتها من أكبر الشواهد على بطلانها، بل العاقل يستغني بأدلة الباطل عن إقامة الدليل على بطلانه، بل نفس دليله هو دليل بطلانه" [2] .
(7) - وقال أيضا:"وكل أهل نحلة ومقالة، يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ."
ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت تلك الألفاظ من الحق والباطل ولا يغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى:
(1) الاعتصام للشاطبي (1/ 18 - 29)
(2) مفتاح دار السعادة (2/ 102) .