فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 83

في ترك النبي صلى الله عليه وسلم الانتقام لنفسه مهما عظمت الظلامة والاعتداء قدوة للمسلمين عموما، وللعلماء خصوصا بنبيّهم عليه السلام.

يقول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: (وفي هذا الحديث دليل على أن على العالم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه ويعفوَ ويأخذ بالفضل، إن أحب أن يتأسى بنبيّه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يطق كلًا فبعضًا، وكذلك السلطان قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .قال المفسرون: كان خلقه ما قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، وعلى العالم أن يغضب عند المنكر ويغيّره إذا لم يكن لنفسه. وفي معنى هذا الحديث ألا يقضي الإنسان لنفسه ولا يحكمَ لها، ولا لمن في ولايته. وهذا ما لا خلاف فيه) [1] .مع أن استقراء أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته يدل على أنه كان لا يعفو عن الكفار الذين يحصل منهم ضرر عام من سبّ أو غيره، وإنما كان يمنّ على من لا ذنب له غير الكفر الذي جزاؤه النار يوم القيامة. [2]

وبهذا يتضح للقارئ الكريم: أن حقيقة العمل بحديث: (لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) يكون في العفو والصفح عن الحقوق الشخصية، وعدم الانتقام للنفس من المعتدين الجاهلين، ما لم يعدّ ذلك امتهانا وابتذالًا، لا في الإغضاء عن تغيير المنكرات وتعطيل الحدود الشرعية لله رب العالمين.

وأن من حق الإنسان أن يعفو عمن ظلمه ولا يعاقبه، وليس من حقه العفو عمن ظلم غيره واعتدى عليه، بحجة التأليف، وجمع الكلمة، والله تعالى أعلم.

وأن الفقهاء وإن اختلفوا في سبب العفو عن هؤلاء القوم في عهده صلى الله عليه وسلم إلا أنهم لم يختلفوا في حكم من ثبت عنه النفاق اليوم أو الكفر بالحجة الشرعية، وأنه كافر حلال الدم والمال، إن لم يقم به مانع شرعي، وبالله تعالى التوفيق.

(1) التمهيد ضمن موسوعة شروح الموطأ (22/ 12)

(2) السيف المسلول صـ376

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت