قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى:"فإن قال قائل: فكيف تركهم - أي المنافقين - مقيمين بين أظهر أصحابه، مع علمه بهم؟"
قيل: إن الله - تعالى ذكره - إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك، وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر، وأخذ بها أنكرها، ورجع عنها، وقال: إني مسلم. فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه أن يحقن بذلك له دمه وماله، وإن كان معتقدا غير ذلك، وتوكّل هو - جل ثناؤه - بسرائرهم" [1] ."
ومن هؤلاء عبد الله بن أبي سلول لأن النبي صلّى الله عليه وسلم، فلم يوقن بكفره وشركه، ولو عَلِم صلى الله عليه وسلم بكذب توبتهم يقينا، لأقام عليهم كتاب الله، ونكّل بهم وشرّد بهم من خلفهم لعلهم ينتهون، و لما قام على ابن أبيّ، ولا صلّى على جنازته لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
وهذا النهي نزل بمكة إثر قوله عليه السلام في شأن عمه أبي طالب: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) . وفي هذا يقول الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى:"صح يقينا أنه - عليه السلام - لم يوقن أن عبد الله بن أبي سلول مشرك ولو أيقن أنه مشرك لما صلى عليه أصلا، ولا استغفر له، فلو كان ابن أبيّ وغيره ممن تبيّن للنبي عليه السلام - أنهم كفار - بلا شك - لما استغفر لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا صلّى عليه. ولا يحل لمسلم أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه خالف أمر ربه في ذلك، فصحّ يقينا أنه لم يعلم قط أن عبد الله بن أبي والمذكورين كفّار في الباطن". [2] .
(1) تفسير الطبري (6/ 419)
(2) المحلى لابن حزم (12/ 140 - 141)