6 -هناك قول سادس في المسألة: يرجّح أصحابه بأن المناط: اختيار العفو والصبر على أذاهم.
وقالوا: الظاهر: أنه صلى الله عليه وسلم عفا عنهم وصبر على أذاهم فإنه ما كان ينتقم لنفسه.
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: (وتلك شيمته صلى الله عليه وسلم ألا ينتقم لنفسه، وأن يعرض عن الجاهلين) [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:(فهذا الباب كله مما يوجب القتل، ويكون به الرجل كافرا منافقا حلال الدم، كان النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام يعفون ويصفحون عمن قاله، امتثالا لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ولقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} وقوله: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} ولقوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ولقوله تعالى {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} . وذلك لأن درجة الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام، قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، وقال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} ، وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة، ثم الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة لفضلهم، وأحوج الناس إليها لما ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما كانوا عليه من العادات، وهو أمر لم يأت به أحد إلا عودي) [2]
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى لما قتلها مولاها على السبّ. وقتل جماعة من اليهود على سبّه وأذاه، وأمن الناس يوم الفتح إلا نفرًا ممن كان يؤذيه ويهجوه، وهم أربعة رجال وامرأتان. وقال:"من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله"وأهدر دمه ودم أبي رافع. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأبي برزة الأسلمي، وقد أراد قتل من سبّه(يعني أبا بكر) ، ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا قضاؤه صلى الله عليه وسلم وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد أعاذهم الله من مخالفة هذا الحكم.
(1) موسوعة شروح الموطأ (21/ 63) .
(2) الصارم المسلول على شاتم الرسول (2/ 434 - 436)