أن يقال: أن كفر بعض هؤلاء الذين عفى عنهم لم يثبت بحجة شرعية، ولذلك انتفت العقوبة الشرعية، ولم يُقِمْها عليهم بعلمه ولا بالقرائن، واعتذر- عليه الصلاة السلام- بحجّة التأليف، وخشية التنفير، لما اختار العفو عنهم، تسكينًا لثائرة المسلمين، لأننا"متعبدون ببناء الأحكام على أسبابها الظاهرة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبني الأحكام على الأمور الباطنة وإن جاء بها الوحي. بل على الأسباب التي نصبها في الشريعة" [1] .
وبيان ذلك من وجوه:
أحدها:"أن عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر مما يثبت عليهم بالبيّنة، بل كانوا يظهرون الإسلام، ونفاقهم يعرف تارة بالكلمة يسمعها منهم الرجل المؤمن فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحلفون بالله أنهم ما قالوها، أو لا يحلفون، وتارة بما يظهر من تأخرهم عن الصلاة والجهاد، واستثقالهم للزكاة وظهور الكراهية منهم لكثير من أحكام الله، وعامتهم يعرفون في لحن القول، ويعرفون بسيماهم، ولا يمكن عقوبتهم باللحن والسيما، فإن موجبات العقوبات لا بدّ أن تكون ظاهرة الظهور الذي يشترك فيه الناس، ومنهم من كان يقول القول أو يعمل العمل فينزل القرآن يخبر أن صاحب ذلك القول والعمل منهم، وكان المسلمون أيضا يعلمون كثيرا منهم بالشواهد والدلالات والقرائن والأمارات، ومنهم من لم يكن يعرف. ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الإسلام، ويحلفون أنهم مسلمون، والنّبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم الحدود بعلمه ولا بخبر الواحد، ولا بمجرد الوحي ولا بالدلائل والشواهد حتى يثبت الموجِب للحدِّ ببيّنة أو إقرار، ألا ترى كيف أخبر عن المرأة الملاعنة أنها إن جاءت بالولد على نعت كذا وكذا فهو للذي رُمِيتْ به، وجاءت على النعت المكروه، فقال: (لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) .وفي رواية: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) ، وكان بالمدينة امرأة تعلن الشرّ، فقال: (لو كنت راجما أحدا بغير بيّنة لرجمتها) ، وقال للذين اختصموا إليه"إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع)، فكان ترك قتلهم مع كونهم كفارًا لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية.
الثاني: يدل على هذا أنه لم يستتب أحدًا منهم على التعيين، ومن المعلوم أن أحسن حال من ثبت نفاقه وزندقته أن يستتاب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، ولم يبلغنا أنه استتاب واحدًا منهم بعينه، فعُلِم أن الكفر والردة لم يثبت على واحد (من المنافقين) بعينه ثبوتا يوجب أن يقتل كالمرتد، ولهذا كان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقه؟ والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه نُهي عن قتل من أظهر الإسلام من الشهادتين والصلاة وإن زُنّ بالنفاق ورُمي به وظهرت عليه دلالته - إذا لم يثبت بحجة شرعية أنه أظهر الكفر، والزنديق والمنافق إنما
(1) السيف المسلول على سابّ الرسول للإمام السبكي صـ320