أن يقال: إن الله سبحانه لم يأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتأليف المنافقين، بل بجهادهم كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} ، فأمر رسوله بجهاد المنافقين كما أمر بجهاد الكافرين،"."
وجه الدليل: أن الله قرن في الآية بين الكافر الأصلي والمنافق في وجوب الجهاد والإغلاظ عليهما في الدنيا والخلود في النار في الآخرة بدلالة الاقتران التي هي حجة بالإجماع في عطف المفردات بخلاف الجمل. والقرآن بين المفردات (الكفار، والمنافقين) في النظم يوجب الاشتراك في أصل الحكم الذي هو الجهاد بأنواعه المعروفة، فاستثناء أعظم أنواعه من الدليل يعتبر خروجا عن ظاهر الكتاب والسنة.
وفي ذلك يقول أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى: (فقد سوّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك) [1] .
وأيضا"جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة، فإنه ما لم يظهر منه شيء البتة، لم يكن لنا سبيل عليه، فإذا ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل، وذلك يقتضي أن لا يسقط عنه بتجديد الإسلام له ظاهرًا، لأنا لو أسقطنا عنهم القتل بما أظهروه من الإسلام لكانوا بمنزلة الكفار، وكان جهادهم من حيث هم كفار فقط، لا من حيث هم منافقون، والدليل يقتضي جهادَهم من حيث هم منافقون، لأنهم صنف غير الكفار، لأن تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على أن موضع الاشتقاق هو العلة، فيجب أن يجاهد لأجل النفاق كما يجاهد الكافر لأجل الكفر" [2] .
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 562)
(2) الصارم المسلول (3/ 658 - 659)