وذلك أن أهل العلم أجمعوا على أن القرائن الضرورية قد يحصل بها علم ضروري لا يندفع عن النفس بالشك، وقد يمنع السمع من العمل ببعضها كما يقول من قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه.
وذلك مثل ما يعلم به صدق من يشكو بعض الآلام بما يظهر عليه من لوازم ذلك، بل قد يعلم صدق الجائع في شكوى الجوع بذلك، وكذلك يعلم صدق الصغير في كثير مما يشكوه من الأمور الباطنة كما يعلم من البهائم والعجم الباطن في بعض الأحوال من غير شكوى. وبهذه الطريقة يعلم صحة إيمان كثير من التابعين والصالحين من العلماء وغيرهم بل يعلم نفي النفاق عنهم بها.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:"والاستدلال بالقرائن من الأفعال والأحوال والأقوال من الطرق المفيدة للعلم اليقيني، لاسيما مع كثرة القرائن وطول الأزمنة، وانظر إلى قول عبد الله بن سلام في النبي صلى الله عليه وسلم: (فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب) واستدلاله بالحال، ولا يتردّدن في أن القرائن في مثل هذا مفيدة للعلم، فقد علم بالضرورة خجل الخجِل لحمرة وجهه، عقيب السبب الموجب للخجل، وعلم بالضرورة وجل الوجِل بصفرة وجهه عند وجود السبب الموجب لذلك" [1] .
وبالجملة: فالنفاق قد يعلم بالقرائن الظاهرة. وذلك مقتضى مذهب المالكية، فإنهم يستحلّون القتل على ما يدل على الاستهانة بالإسلام. ولو كانت دلالةً بعيدة، كقتل من سبّ صحابيا أو أحدا من أئمة الإسلام أو أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. [2]
(1) شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (4/ 448)
(2) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (8/ 127 - 128)