وفيه من الفقه: جواز إساءة الظن بمن لم يشتهر بالصلاح إذا ظهرت منه أمارات السوء. لأن ذلك من باب أخذ الحيطة والحذر عند الرّيبة وقد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين) ، ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} . وفيه دليل على أن من الظن ما ليس بإثم.
قال الإمام ابن الفرس المالكي رحمه الله: (لم يعم تعالى النهي عن جميع الظن لأن من الظن ما يكون خيرا، وهو ظن الخير بالناس، وأما الذي نهى عنه فهو: ظن الشر، وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح) [1] .
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: (فيه تحريم ظن السوء بأهل الخير، وإباحته بأهل الشرّ، لأنه لم ينه عن كل الظن، وقد حمل على الثاني حديث الطبراني:(احترسوا من الناس بسوء الظن) [2] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا الذي نحن عليه شيئا) [3] .
وقال ابن عمر رضي الله عنهما:"إنا كنا إذا فقدنا الرجل في عشاء الآخرة أسأنا به الظن" [4] .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: " فهذا الحديث يقتضي جواز بعض الظن، كما احتج البخاري على ذلك لكن مع العلم بما عليه المرء المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة يجب أن يظن به الخير دون الشر" [5] ."
وقال الإمام ابن مفلح رحمه الله"قال في نهاية المبتدئ: حسن الظن بأهل الدين حسن. ظاهر هذا: أنه لا يجب، وظاهره أيضا: أن حسن الظن بأهل الشر، ليس بحسن، فظاهره لا يحرم، وظاهر قوله عليه السلام: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) أن استمراء ظن السوء وتحقيقه لا يجوز، وأوّله بعض العلماء على الحكم في الشرع بظنٍّ مجرد بلا دليل وليس بمتجه .. وقال القاضي أبو يعلى: إن الظن"
(1) أحكام القرآن (3/ 496)
(2) الإكليل في استنباط التنزيل (3/ 1197) . والحديث ضعيف رواه الطبراني في الأوسط (602) وفي سنده بقية بن الوليد ومعاوية بن يحيى الصدفي، مدلس وضعيف.
(3) رواه البخاري (6067 - 6068) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) أخرجه البزار في المسند (462 - 463) بسند صحيح
(5) مجموع الفتاوى (15/ 331)