فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 83

أن يقال: إن كفر هؤلاء - إن ثبت بالحجج الشرعية - كان من جنس ما يختص النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذيّته والاعتداء عليه، وكان له أن يعفو عمن شتمه وآذاه مطلقا في حياته، وليس للأمة أن تعفو عن ذلك للإجماع على أن من سبّ النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه بعد موته من المسلمين كافر حلال الدم، وكذلك من سبّ نبيا من الأنبياء"ومع هذا فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} فكان بنو إسرائيل يؤذون موسى في حياته بما لو قاله اليوم أحد من المسلمين وجب قتله، ولم يقتلهم موسى، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقتدي به في ذلك، فربما سمع أذاه أو بلغه، فلا يعاقب المؤذي على ذلك، قال الله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} ، فعفى صلى الله عليه وسلم عن ذي الخويصرة التميمي لما قال له: (يامحمد قد رأيت ما صنعت، قال: فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت) ، ومنع عمرَ المستأذنَ في قتله، كما منع خالدا عن قتل الذي اتهمه في قسمة الذهيبة، قائلا: (يامحمد اتق الله) ، فهذا الرجل قد نص القرآن أنه من المنافقين بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} ، أي يعيبك ويطعن عليك، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: (اعدل، واتق الله) ، بعد ما خصّ بالمال أولئك الأربعة، نسبة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه جارَ ولم يتق الله، ولهذا قال: (أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) .ومثل هذا الكلام لا ريب أنه يوجب القتل لو قاله اليوم أحد، وإنما لم يقتله النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لأنه كان يظهر الإسلام وهو الصلاة التي يقاتل الناس حتى يفعلوها، وإنما كان نفاقه بما يختص النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى، وكان له أن يعفو عنه، وكان يعفو عنهم تأليفا للقلوب، لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ويقول في شأن الأنصاري الذي قال له في غنائم حنين:"والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، أو ما أريد بها وجه الله". (يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) . فهذا الكلام مما يوجب القتل بالاتفاق، لأنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم ظالمًا مرائيًا، وقد صرّح النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا من أذى المرسلين ثم اقتدى في العفو عن ذلك بموسى عليه السلام، ولم يستتب، ومن ذلك قول الأنصاري في شراج الحرّة (أن كان ابن عمّتك) ، والأعرابي الذي قال:"واغدراه واغدراه"ومنه قول القائل:"إن الناس يزعمون تنهى عن الغيّ وتستخلي به"ولذلك نظائر وأشباه، فهذا الباب كله مما يوجب القتل، ويكون به الرجل كافرًا منافقًا حلال الدم، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام يعفون ويصفحون عمن قاله، امتثالا لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وغيرها من الآيات، فالكلام الذي يؤذيهم يكفر به الرجل فيصير به محاربا إن كان ذا عهد، ومرتدا أو منافقا إن كان من يظهر الإسلام، وللأنبياء فيه حق الآدمي، فجعل الله لهم أن يعفوا عن مثل هذا النوع، ووسّع عليهم ذلك لما فيه من حق الآدمي، تغليبا لحق الآدمي على حق الله، كما جعل لمستحق القود وحد القذف أن يعفو عن القاتل والقاذف، وأولى، لما في جواز عفو الأنبياء ونحوهم من المصالح العظيمة المتعلقة بالنبي والأمة وبالدين، وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا انتقم لنفسه قط"وفي لفظ:"ما نيل منه شيء فانتقم من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله"ومعلوم أن النيل منه أعظم من انتهاك المحارم، لكن لما دخل فيها حقه كان الأمر إليه في العفو أو الانتقام فكان يختار العفو، وربما أمر بالقتل إذا رأى المصلحة في ذلك، بخلاف ما لا حق له فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت