فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 83

وهو مذهب جماعة من أهل العلم وقول في مذهب الحنابلة [1]

وفي ذلك يقول أبوبكر ابن العربي رحمه الله:"قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر سبب امتناعه من قتل عبد الله بن أبي: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) إخبار عن وجه المصلحة في الإمساك عن قتلهم لما يرجى من تأليف الكلمة بالعفو عنه والاستدراك لما فاتهم في المستقبل من أمرهم وتوقيًا لسوء الأحدوثة المنفّرة عن القبول للنبي صلى الله عليه وسلم والإقبال عليه" [2] .

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله:"لئلا يكون قتلهم منفّرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام، لأن العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النّبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين، فتهيج الحروب وتكثر الفتن ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود. فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ورفق بهم وصبر على جفائهم وأذاهم وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته فرسخ في قلبه الإيمان وتبيّن له الحق اليقين. وهلك عن بيّنة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين. ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه لأنه ارتفع مسمّاه واسمه. ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة عندنا اليوم. ويظهر من مذهبه: أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} إلى قوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} وبقوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} فقد سوّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك" [3] وبه قال القاضي عياض رحمه الله، والنووي وغيرهما من أهل العلم [4] .

(1) الفروع لابن مفلح (10/ 249 - 250) و (8/ 66 - 67)

(2) عارضة الأحوذي (12/ 201)

(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 562)

(4) إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 54 - 55) وشرح مسلم للنووي (16/ 114)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت