أن هذا الحديث وأمثاله من الأدلة: يخصّ الفرد المقدور عليه المحسوب على المسلمين ظاهرًا، والذي تصدر منه الفلتات التي تنبئ عمّا في القلوب فيظهر التوبة منها، فلا يعلم صدقها ولا كذبها، فيحمل على الأصل والظاهر. والفرق بين الفرد المقدور عليه وبين الطائفة الممتنعة ثابت في مواطن عدة في مانع الزكاة والخوارج والبغاة والاستتابة وغيرها
قال الإمام الإسماعيلي رحمه الله: (والحديث في ترك القتل للمنفرد، والجميع إذا أظهروا رأيهم، وتركوا الجماعة، ونصبوا للناس القتال وجب قتالهم، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم، وتركوا الجماعة، وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم" [1] ."
وقال القاضي ابن العربي في الذي قال: (أن كان ابن عمّتك) "وقد فات هذا الأنصاري الإيمانُ بهذه الكلمة ولكن النبي صلى الله وسلم سكت عنه لأنها كانت فلتة ائتلافا، وقد كان يسكت عن المنافقين الذين يصرحون بالكفر، فإقالة العثرة أقل من ذلك وأولى. فكل من اتهم رسول الله بباطل فهو كافر وحكمه ما ذكرناه) [2] "
وأما المصرّ على الإجرام، والطائفة الممتنعة فلا يقال في شأنهم"دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"أو ما ترى صلى الله عليه وسلم، يبعث الجيش لغزو قوم الحارث بن أبي ضرار الخزاعي لما ذكر الوليد بن عقبة أنه منع الزكاة وأراد قتله، ويأمر بقتل من لم ينته عن الخمر مع حداثة عهده بالإسلام. كما في حديث الديلم الحميري رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنا بأرض باردة، شديدة البرد، نعالج بها عملا شديدا نستعين بشراب يصنع لنا من القمح، نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، أفيحلّ يانبي الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسكر؟ قال: نعم، قال: فلا تشربوه، ثم عاد، فقال له رسول الله أيسكر؟ قال: نعم، قال: فلا تشربوه،(ثم عاد الثالثة) ثم قال الحميري: فإنهم لا يصبرون عنه قال صلى الله عليه وسلم: فإن لم يصبروا عنه فاقتلوهم" [3] ."
فمن أحق بالتأليف من أهل اليمن لحداثة عهدهم، وبُعدِهم عن مركز العلم (المدينة) ؟ مع ما ذكروه من الضرر والأعمال الشاقة، والمصلحة المتوهمة في الشراب. بل كيف غاب هذا الأصل: (تعطيل الحدود بحجة التأليف وخشية التنفير) عن الصحابة الكرام حين اشتدّوا على مانعي الزكاة فضلًا عن المرتدِّين عن أصل الشريعة والمتنبّئين؟
(1) فتح الباري (12/ 304) .
(2) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (18/ 385)
(3) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (4/ 231 - 232) وفي الأشربة (209 - 210) وأبوداود (3683) وغيرهما