"إن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة مستضعفا هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكفّ أيديهم والصبر على أذى المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وصار له دار عزة ومنعة أمرهم بالجهاد، وبالكف عمن سالمهم وكف يده عنهم، لأنه لو أمرهم إذ ذاك بإقامة الحدود على كل كافر ومنافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب إذ رأوا أن بعض من دخل فيه يقتل وفي مثل هذه الحال نزل قوله تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} وهذه السورة نزلت بالمدينة بعد الخندق، فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى الكافرين والمنافقين له، فلا يكافئهم عليه لما يتولد في مكافأتهم من الفتنة، ولم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة، ودخلت العرب في دين الله قاطبة، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في غزو الروم، وأنز ل الله تبارك وتعالى سورة براءة وكمّل شرائع الدّين من الجهاد والحج والأمر بالمعروف، فكان كمال الدّين حين نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قبل الوفاة بأقل من ثلاثة أشهر، ولما أنزل براءة أمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} ، وذلك أنه لم يبق حينئذ للمنافق من يعينه لو أقيم عليه الحدّ، ولم يبق حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمدا يقتل أصحابه، فأمره الله بجهادهم والإغلاظ عليهم، وقد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب منسوخة بهذه الآية" [1] .
قلت: هذا تدرّج في التشريع، لا في التطبيق والبحث في الأخير لا في الأول. ونحن لا ننفيه، لكن"من الباطل البحت أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن فلانا بعينه منافق متصل النفاق، ثم لا يجاهده، فيعصي ربه تعالى، ويخالف أمره - إلا أن يكون له خيار العفو في ذلك - ومن اعتقد هذا فهو كافر، لأنه نسب الاستهانة بأمر الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2] .
(1) الصارم (3/ 681 - 683)
(2) المحلى لابن حزم (12/ 152)