فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 83

يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر، وقامت عليه بذلك بيّنة، وهذا حكم بالظاهر لا بالباطن. وبهذا الجواب يظهر فقه المسألة". [1] ."

الثالث: أن يقال: إن هذا من قضايا الأعيان فلا عموم له، إلا في أمثاله، كما تقرر في الأصول، ولا ينكر عدم إقامة الحدّ على معيّن من الناس، إذا كان يتولّد من قتله فساد أكثر مما في استبقائه بالميزان الشرعي، فلكل قضية حكمها الخاص، ونظرها المناسب، لا أن تجعل هذه الشبهة قاعدة كلية تدرأ بها الحدود والعقوبات، وتعطّل بها الأحكام الشرعية الثابتة بالوسائل الشرعية، ويطعن بها ظهور المجاهدين المناشدين للشريعة. يقول الإمام المهلب بن أبي صفرة شارح صحيح البخاري رحمه الله: (والتآلف إنما كان في أول الإسلام إذ كان بالناس حاجة إلى تآلفهم لدفع مضرتهم ولمعونتهم، فأما إذ أعلّى الله الإسلام ورفعه على غيره فلا يجب التآلف إلا أن ينزل بالناس ضرورة يحتاج فيها إلى التآلف فللإمام ذلك" [2] "

وبالجملة:"فحيث ما كان للمنافق ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية {وَدَعْ أَذَاهُمْ} كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكفّ عنهم والصفح، وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} ، ولم ندّع أن الحكم قد تغيّر بعده صلى الله عليه وسلم لتغيّر المصلحة من غير وحي نزل، فإن هذا تصرّف في الشريعة، وتحويل لها بالرأي" [3] .

حصيلة الوجه: أن الحد لم يقم على واحدٍ من المنافقين بعينه، بل لم يستتب [4] لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام.

قال العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله:

(نحن متعبّدون ببناء الأحكام على أسبابها الظاهرة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبني الأحكام على الأمور الباطنة وإن جاء بها الوحي. بل على الأسباب التي نصبها في الشريعة، ألا ترى إلى المنافقين مع إعلام الله له بحالهم لم يقتلهم لعدم قيام البيّنة أو الإقرار اللذين نصبهما حجة شرعية؟ وإن كان قد علّل ترك قتلهم بغير ذلك، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"أو غير ذلك) [5] .

(1) الصارم المسلول (3/ 673 - 679،1008) بتصرف يسير، وتفسير الطبري (14/ 360)

(2) شرح صحيح البخاري لابن بطال (8/ 592)

(3) الصارم (3/ 683 - 684)

(4) ورد في بعض الروايات المرسلة عرض التوبة على ابن أبيّ بن سلول.

(5) السيف المسلول على ساب الرسول صـ320

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت