بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل" [1] ."
(4) - قال الإمام ابن بطة الحافظ رحمه الله: " عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين والأبعدين والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها - موافقا أو مخالفا - دعاني إلى متابعته على ما يقوله وتصديق قوله والشهادة له، فإن كنت صدّقته فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان سمّاني موافقا وإن وقفت في حرف من قوله وفي شيء من فعله سماني مخالفا، وإن ذكرت في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد سماني خارجيا، وإن قرئ علي حديث في التوحيد سماني مشبها وإن كان في الرؤية سماني سالميا وإن كان في الإيمان سماني مرجئا وإن كان في الأعمال سماني قدريا وإن كان في المعرفة سماني كراميا وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبيا وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيا وإن سئلت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما سمّاني ظاهريا وإن أجبت بغيرهما سمّاني باطنيا وإن أجبت بتأويل سماني أشعريا وإن جحدتهما سماني معتزليا وإن كان في السنن مثل القراءة سماني شفعويا وإن كان في القنوت سماني حنفيا وإن كان في القرآن سماني حنبليا وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار - إذ ليس في الحكم والحديث محاباة - قالوا: طعن في تزكيتهم، ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عنى من الله شيئا وأنا متمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم"."
(5) - قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله:"فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع فقلما تجد عالما مشهورا أو فاضلا مذكورا إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو ببعضها لأن الهوى قد يداخل المخالف بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة أنه غير صاحبها ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله حتى ينسب هذه المناسب، فرأيت الهلاك في اتباع السنة هو النجاة وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور فقامت عليّ القيامة وتواتر عليّ الملامة وفوّق إليّ العتاب سهامه ونسبت إلى البدعة والضلالة وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة، وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجا لوجدت غير أن ضيق العطن والبعد عن أهل الفطن رقى بي مرتقى صعبا وضيّق عليّ مجالا رحبا وهو كلام"
(1) إعلام الموقعين (3/ 428 - 429) تحقيق مشهور.