فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 83

قال الإمام تقي الدين السبكي:"فهؤلاء من خيار الصحابة لم يقصدوا الأذى فلذلك لم يترتب عليه حكمه، وأما عبد الله بن أبي فما حمله على ذلك إلا نفاقه وبغضه للنبي صلى الله عليه وسلم وقصده الإيذاء، فلذلك كان يستحق القتل، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم حَلُم عليه" [1] .

وقال شيخ الإسلام:"فإن المؤذي له هنا: إطالتهم الجلوس في المنزل واستئناسهم للحديث لا أنهم هم آذوا النبي صلى الله عليه وسلم. والفعل إذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه ولم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه ويكون معصية كرفع الصوت فوق صوته، فأما إذا قصد أذاه أو كان مما يؤذيه وصاحبه يعلم أنه يؤذيه وأقدم عليه مع استحضار هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر وحبوط العمل" [2] .

الرابع:"أن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرا مع طمأنينة القلب بالإيمان، وكعب كان قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرض على قتالهم وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك فكأنه أكره الناس على النطق بما نطقوا به وألجأهم إليه فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان" [3] وهو أضعف من غيره من الوجوه.

الخامس:"إن النيل منه صلى الله عليه وسلم كان بإذنه وهو صاحب الحق، وقد أذن في حقه لمصلحة شرعية، ولا نسلّم دخول هذه الصورة فيما يكون كفرًا". [4] .

قلت: العمدة على هذا الوجه، وعلى الوجه الثالث، ولا غرابة في ترخيص بعض المحرّمات لمصالح شرعية، كالكذب في الحرب والإصلاح بين الناس إلخ. والحكم قد يتغيّر بتغيّر مناطه وأوصافه، لأن الأحكام للأسماء، وهي تابعة للأوصاف، فإذا انتفى الوصف انتفى الاسم ضرورة، وطبعا ينتفي الحكم.

وبالجملة: فهذان الحديثان، وما في معناهما من الأحاديث كفيلان لإبطال الشبهة من أسّها، وقتلها في مهدها. لكنّه الجهل، وعدم إعطاء النصوص حظّها من التّحقيق والتأمّل. فها هو صلى الله عليه وسلم يرخّص في النيل من عرضه المصون لتحقيق مصالح عامة للأمة، وخاصة للأفراد، مما لا يدع مجالا للشك في أن هذا تصرّف منه عليه السلام في حقوقه الشخصية الخاصة في حياته. ولو كان سبّ النّبيّ ردة مجردة، لوجب قتل الساب حتما كالمرتد، ولما جاز العفو عنه كالحدود الأخرى، لأن إقامة الحد على المرتد واجبة بالاتفاق، لا يجوز العفو عنه، فلما عفا النبي في حياته دلّ على أن السّبّ نفسه يوجب القتل حقا للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه حق الله تعالى، ويكون سابّه وقاذفه بمنزلة سابّ غيره وقاذفه، قد اجتمع في سبّه حقان: حق لله، وحق لآدمي، فلو أن المسبوب والمقذوف عفا عن حقه لم يعزّر القاذف والساب على حق الله، بل دخل (حق الله) في العفو، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا عفا عمن سبّه دخل في عفوه عنه حق الله فلم يقتل

(1) السيف المسلول على ساب الرسول (صـ135 - 136)

(2) الصارم المسلول على شاتم الرسول (2/ 120)

(3) قال العلامة محمد بن علي الزملكاني: (وفي هذا الجواب نظر لا يخفى) طبقات الشافعية لابن السبكي (6/ 114) وقال الإمام ابن القيم:"وهذا ليس بالقوي"بدائع الفوائد (3/ 1171 - 1172) .

(4) وبهذا أجاب العلامة كمال الدين الزملكاني كما في طبقات الشافعية الكبرى (6/ 114) وابن القيم في بدائع الفوائد (3/ 1171 - 1172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت