فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 83

فلِمَاذا لم يكفر الذين نالوا منه للمصلحة ولو بالتعريض؟ وهل يجوز لأحد أن يفعل الكفر أو يقول به، لتحقيق مصالح شرعية؟

قيل: الجواب عن هذا من وجوه:

أحدها: لا يجوز ذلك لأحد من المسلمين إجماعا إلا بالإكراه الشرعي.

الثاني: أن ذلك النيل والكلام لم يكن صريحا بما يتضمن كفرًا، بل تعريضا وتورية، فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقته في غرضه، وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة. [1] ، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:"هذا من التعريض الجائز، بل من المستحبّ، لأن معناه في الباطن: أنه أدّبنا بآداب الشرع التي فيها تعب، لكنه تعب في مرضاة الله تعالى فهو محبوب لنا، والذي فهم المخاطب منه: العناء الذي ليس بمحبوب" [2] وهو ضعيف إذا التعريض بالسبّ كالتصريح في مثل هذه المسائل سيما إن صاحبه قصد.

الثالث: انتفى الكفر عنهم لانتفاء مناطه (أذية الله ورسوله) في هذا المقام بالإذن والترخيص، والكلمة الواحدة تكون في حال سبّا، بخلاف حالة أخرى، فتختلف باختلاف الأقوال والأحوال.

قال الإمام ابن جزي المالكي رحمه الله تعالى:"اعلم أن الألفاظ في هذا الباب تختلف أحكامها باختلاف معانيها والمقاصد بها وقرائن الأحوال، فمنها ما هو كفر، ومنها ما هو دون الكفر ومنها ما يجب فيه القتل، ومنها ما يجب فيه الأدب، ومنها مالا يجب فيه شيء، فيجب الاجتهاد في كل قضية بعينها" [3] .

وكذلك الأذى على قسمين: أذى مقصود، وأذى غير مقصود فمسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت لم يكن مقصودهم في حادثة الإفك أذى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك لم يجر عليهم كفر ولا قتل، وأما ابن أبي فكان مقصوده بالأذى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحق القتل، ولكن الحق للنبي صلى الله عليه وسلم فله تركه.

وهذه القاعدة في اعتبار المقاصد فيما يحصل به الأذى مما يجب التنبّه له، فإن الشخص قد يفعل فعلا أو يقول قولا فيحصل لآخر منه أذى لا يكون ذلك الفاعل أو القائل قصد أذاه البتة، وإنما قصد أمرا آخر، ولم يحضر عنده أن ذلك يستلزم الأذى لذلك الشخص، ولا كان لزومه بيّنا، فهذا لا يترتب عليه حكم الإيذاء.

ومما يدلك على هذا قوله تعالى في شأن الذين قعدوا في وليمة زينب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} .

(1) واختاره جماعة من شارحي الصحيحين وغيرهم كابن السبكي في الطبقات (6/ 114)

(2) شرح صحيح مسلم (12/ 161)

(3) القوانين الفقهية صـ357

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت