أجيب: سلّمنا بأن بعض المنافقين أظهر التوبة ولاذ بها مع الأيمان المغلظة، لكن فمن أين لكم بتوبة الآخرين الطاعنين في النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق نقله، على خلاف بين الفقهاء في توبة الزنديق (المنافق) وعلى أيّ حالٍ، هذا القول يعكر على أصحاب القول الأول، وعليه فلا يستقيم أن يقال: عَلِم بكفرهم وردّتهم بالأدلة الشرعية التي تثبت بمثلها الحدود والعقوبات، لكنّه ترك إقامة الحدّ عليهم للتأليف، وعدمِ تنفير الناس عن الدين لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) ، كما يُدرأ به مزاعم آخرين، من قولهم: يحق لنا أن نترك أونؤجِّلَ تطبيقَ الشريعة وتنفيذَ الحدود على المستحقين لتحسين صورة الجهاد والمجاهدين، وللحفاظ على سمعة الإسلام الضائعة من أزمانٍ بأيدي أغيلمةٍ من المسلمين.!
القول الرابع: مناط العفو: التأليف وخشية التنفير مع ثبوت الكفر بأدلته.
ومما يؤخذ على هذا الرأي: أن حد الردة لا يسقط بمثل هذا العذر، بل تجب إقامته بالإجماع عند القدرة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) .كما يأتي عليه قتلُه عليه السلام لكثير على هذه الفعلة، وإقامة حدّ الردة على آخرين، وقعوا في نواقض أخرى غير الوقيعة في عرضه صلى الله عليه وسلم. ولو كان الأمر كذلك، لما أقام صلى الله عليه وسلم حدّ الزنا من الرجم والجلد والسرقة والخمر والقذف على أصحابه الكرام لوجود المصلحة المذكورة في كلٍّ ولعدم الفارق بالنسبة إلى هذا المناط. أضف إلى ذلك أن أصحاب هذا الرأي لم يتفطّنوا إلى نوعية مسائل العفو، ومن أي باب هي؟ فعمّموا الباب رغم الخصوصية، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد يشفع لهم القول بسقوطه وذهابه بوفاته صلى الله عليه وسلم.
وبالجملة: تعميم هذا الرأي مما يجعلنا أمام موجة جديدة من الحداثة والزندقة لتعطيل الشرائع وإسقاط الحدود الشرعية، تعتمد على هذه الذريعة والله المستعان.
القول الخامس: في أن العفو كان بأمر الله تعالى لما فيهم من المنفعة والقوة للمسلمين.
يظهر للمتأمل ضعف هذا القول، وإن قيل: إنه ظاهر مذهب السادة الحنابلة لما فيه من عدم التدليل على أمر الله الخاص في العفو عن هؤلاء القوم، ولعدم تعرّضه للطوائف الأخرى التي طعنت في النبي صلى الله عليه وسلم غير المنافقين. علمًا بأن عبء المنافقين ومضرتهم على المسلمين أضعاف ما كان فيهم من قوّة ومنفعة إن كانت، كما يشهد بذلك السير والتواريخ، والله تعالى أعلم.
القول السادس وترجيحه باختصار: مناط الحكم اختيار العفو، لأن الحق له. والباعث التأليف ونحوه.
الذي تشهد له الأدلة الكثيرة وبه تجتمع، ويظهر رجحانه هو: القول الأخير السادس.
فالنبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهم وما انتقم منهم لنفسه، فالعفو والصفح عنهم هو المناط الذي أسقط العقوبة. والباعث علي ذلك اختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فمنه: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) . ومنه: (دعه، فإن له أصحابا سيخرجون) . ومنه: (إني نهيت عن قتل المصلين) إلخ.