القول الثاني الذي يحصر علة الترك في: الجهل وعدم العلم بحقوق المصطفى عليه الصلاة والسلام
ردّ هذا المذهب أيضا بأنه لا يتوجه، إذ يبعد جدًا أن يتصوّر جهالة أحدٍ من المسلمين ببشاعة الطعن في الدين، وخطورة الشتم للرسول المنافي لعمل الإيمان القلبيّ من الحب والتعظيم والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم. على خلاف بين أهل العلم في العذر بالجهالة في مثل هذه المسائل، وليس هناك عموم لفظي في العذر بالجهالة في جميع مسائل الدين، إنما هي وقائع أعيان أحاطتها ملابسات لسنا في مقام البحث فيها، والأصل في كل ما صدر عن المكلفين قولًا أو فعلًا الحمل على الاختيار والعلم حتى يثبت العكس بدليله.
قال الإمام أبو عبد الله ابن المرابط المالكي رحمه الله [1] :"من قال: أنه عليه السلام هرم: يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لأنه نقص لا يجوز عليه في خاصّته لأنه على بصيرة من أمره، ويقتل من نقصه بسهو، أو سحر، أو هزيمة بعض جيوشه، أو شدة من زمانه، أو ميل لبعض نسائه، ومن لم يقصد الازدراء ولا يعتقده في تكلّمه بالسبّ، أو اللعن، أو التكذيب، أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفي ما يجب له مما هو نقص في حقه، وظهر عدم تعمّده وقصده السبّ، إما لجهالة، أو لضجر، أو سكر، أو قلة ضبط لسان، أو تهور في كلامه: فإنه يقتل."
وقال الإمام القرافي رحمه الله: ولا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا غيرها، وهو سليم العقل إلا للإكراه وبه أفتى الأندلسيون في علي ابن حاتم في نفيه الزهد عنه - عليه السلام - وقاله ابن أبي زيد وابن سحنون وأبو الحسن القابسي. ونظر إلى أن السكران إنما ينطق بما يعتقده صاحيا، ولأنه حدّ لا يسقطه السكر كالقذف، والقتل، وجميع الحدود" [2] "
قال الإمام الدردير رحمه الله:"ولا يعذر الساب بجهل، لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، أو سكرٍ حرام، أو تهور، ولا يقبل منه سبق اللسان أو غيظ فلا يعذر إذا سبّ حال الغيظ بل يقتل" [3] . إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ونحوه كالذي نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين [4] .
مناقشة القول الثالث: في أن المناط إظهار التوبة واللياذ بها.
(1) هو الفقيه القاضي محمد بن خلف بن سعيد بن وهب المعروف بابن المرابط من أجل أئمة المالكية بالمغرب (ت485هـ) . شجرة النور ص122، وشرح الشفا للخفاجي 4/ 346.ولابن حجر الهيتمي الشافعي وجهة نظر أخرى في مسألة الهزيمة انظر الإعلام بقواطع الإسلام ص81 - 82
(2) الذخيرة في فروع المالكية (9/ 321)
(3) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (4/ 341)
(4) العدة شرح العمدة (2/ 316) . والسيف المسلول على ساب الرسول صـ199