قدمنا عرضًا سريعًا مختصرًا لأشهر المذاهب حول حديث: (لايتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) .
وأما مناقشة الأقوال بالبسط والتفصيل فلا يتأتي في هذا المقام، ومع ذلك أحاول مناقشتها باختصار غير مخل إن شاء الله تعالى.
أما القول الأول الذي محصّله: أن النفاق والطعن لم يثبت عنهم بالطرق الشرعية التي يثبت بها الحدود ولذلك لم يقمها عليه السلام بعلمه للتأليف ودرأً لتشنيع الطاعنين في الإسلام.
فقد اعترض عليه بأن هذا يمكن قبوله بالنسبة لبعض الوقائع التي علمت بالوحي أولم يكمل فيها نصاب الشهادة، لكن تنقضه قضايا كثيرة أخرى كالتي حدثت أمام ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم مع علمه صلى الله بذلك وشهوده. وقد أسلفنا بعض الأمثلة في ذلك، كالذي قدح في عدله صلى الله عليه وسلم بقوله: (اعدل فإنك لم تعدل) [1] ، والذي طعن في حكمه عليه الصلاة والسلام بقوله: (أن كان ابن عمتك) [2]
وفي قصده وإخلاصه صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) [3] ،
أو في خلوته بقوله: (يزعمون إنك تنهى عن الغيّ وتستخلي به) [4]
وفي عهده وأمانته بقوله: (واغدراه واغدراه) [5] .
ولا فرق بين هؤلاء وبين المنافقين، إذ الكل كفر. أضف إلى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرض عليهم التوبة ولم يأمرهم بها في هذا الموطن، وقد عرض التوبة على عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك رغم الفارق الكبير بين القضيّتين.
وهذا كله مما يدل دلالة واضحة على أن مناط الحكم [6] لم يكن لعدم الثبوت بالأدلة الشرعية للحدود والعقوبات الشرعية. وبالجملة: لا يمكن الاعتماد على ما علّلت به هذه الطائفة كمناطٍ عامٍّ للمسائل، والله تعالى أعلم.
(1) خرّجه مسلم (1063) من حديث جابر وأحمد (2/ 219) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2) خرّجه الشيخان من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
(3) خرّجه الشيخان وأحمد وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود
(4) رواه أحمد (5/ 2،4) وأبو داود (3631) والحاكم وغيرهم من حديث معاوية بن حيدة القشيري. وهو حديث صحيح.
(5) رواه الإمام أحمد في المسند (26312) والبزار (1309 - 1310) كشف الأستار وعبد بن حميد (المنتخب(1497) والحاكم والبيهقي وغيرهم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. حديث صحيح
(6) أي العفو وعدم العقوبة